الفصل الثالث - الجزء الثاني

 الأجزاء السابقة هنا


الفصل الثالث

الجزء الثاني


ألفى كاكيرو مقيمو تشيكوسي مصطفين في الفناء عندما رجع من الجامعة ذلك المساء، سبب ذلك على ما يبدو أن كيوسي كان ينتظر رجوعهم فأمسك بهم الواحد تلو الآخر.  
لمّا اجتمع الجميع، قال كيوسي: 
- لقد عملت على خطة تدريب تقريبية وأود وضعها في مستويات استنادًا على التوقيت، لذا على كل واحد منكم الركض مسافة خمسة آلاف متر لنحسبها. 
أُعجب كاكيرو بسرعة كيوسي في العمل فيما تذمر التوأمين قائلين: 
- لقد أتممنا ركض صباح اليوم والآن علينا الركض مجددًا؟ إنني متعب! وقدمي ما زالت تؤلمني. 
استفسر كيوسي جوجي عن ألم قدمه: 
- هل الألم شديد؟
- لا، بل محتمل. 
جثم كيوسي على إحدى ركبتيه أمام جوجي قلقًا، وفرك بإبهامه قاعدة قدمه على مهل.
- هل سبب هذا الألم هو أنك لم تعتد الركض بعد، ووضعيتك لا تزال سيئة؟ أم لأن مفاصلك ضعيفة من الأساس؟ أيهم؟ 
 أحس جوجي بالدغدغة فتلوّى جسده. 
- هي هي! كف عن ذلك يا هايجي سان!
- أظن أنه بسبب الأحذية، هذه أحذية كرة السلة، ألستُ محقًا؟ 
قام كيوسي وتفحص أحذية الجميع ثم أردف: 
- بلى! لمَ تستعملون أحذية كرة السلة أو الأحذية الرياضية غير المخصصّة للركض؟ هل تنوون الركض بها حقًا؟ 
جوتا الذي يرتدي أحذية مماثلة لأحذية جوجي رد فيما احتمى بظهر أوجي:
- لأننا لا نملك غيرها. 
أما حذاء أوجي فقد كان حذاء رياضيًا غير مخصصًا للركض، وعلى الأرجح أنه ابتاعها من السوق المخفضة. 
أمرهم كيوسي قائلًا: 
- اشتروا أحذية مخصصة للركض!
رد موسى:
- لقد اشتريناها. 
رفع موسى وشندو الحقائب التي ابتاعاها من المتجر الرياضي ليرياه لكيوسي، وبعد هنيهة أخرج يوكي أيضًا الأحذية الجديدة التي كان يخبئها خلف ظهره.
- استمتعنا بالركض بها هذا الصباح. 
تدخّل نيكو تشان وقال: 
- كنت مشتعل الحماس هذا الصباح مع أنني كنت مترددًا.
أومأ كيوسي وقال:
- رائع! على البقية شراء أحذية على مقاساتكم، بالإضافة لساعة توقيت حتى تسجلوا توقيتكم بأنفسكم إن استطعتم. 
حدق جوتا إلى معصم كاكيرو وقال: 
- أريد واحدة كالتي عند كاكيرو! إنها رائعة! هل هي من ماركة نايكي؟ 
كانت ساعة كاكيرو بلاستيكية مستديرة الشكل، متعددة المميزات وخفيفة الوزن للغاية. كانت هذه الساعة المفضلة عنده من بين جميع الساعات التي استعملها حتى الآن. 
- لها ألوان مختلفة أيضًا، وفيها ميزة الإيقاف والاستئناف، وأيضًا تمكنك من إضافة التوقيتات واحدًا تلو الآخر…..
همهم جوتا وجوجي وهما يستمعان لشرح كاكيرو ثم قالا:
- علينا إيجاد عمل آخر.
قال كيوسي: 
- من الآن فصاعدًا لا يُسمح لكم بالعمل في وظائف جزئية ولا لعب الماجونغ. 
وأردف شيندو:
- هل هذا هو الوقت المناسب للعمل؟ ركزوا على التدريب.
احتجّ كينغ: 
- وكيف نشتري الأحذية والساعة؟ 
أردف كيوسي في برود: 
- وبالمناسبة، اشتروا أيضًا ملابس رياضية، جميعكم ترتدون قمصان وسترات المدرسة الثانوية، وأوجي يرتدي بنطال الجينز! هذه الملابس لا تمتص العرق، عندها ستصابون بالبرد.عليكم تجهيز منشفة وغيار من الثياب وقت التمرين، وتأكدوا من تغيير ملابسكم فور ما تتعرقون. 
احتج كينغ مرة أخرى:
- كما قلت، كيف نشتري كل هذه الأشياء بلا عمل؟ 
- لعلمكم، لن يكون هناك وقت للهو إن كنتم تتدربون من الصباح إلى المساء. حاولوا الادّخار من مصروفكم. 
ارتفعت أصوات الاحتجاج مجددًا. 
فُتح باب المنزل الرئيسي وخرج المالك الذي كان مدربهم بالاسم. كان نيرا مستلقيًا ومتمددًا وعيناه مغمضتين، وفور رؤيته لمالكه نهض يهز ذيله محبورًا.
نظر المالك إليهم جميعًا وقال:
- ما سبب تذمّركم؟ إن كان المال فلا تقلقوا. أفضى هايجي إليّ بذلك سلفًا. إن كنتم تهدفون إلى هاكوني حقًا فاطلبوا من جمعية الرعاة تزويدكم بما تحتاجونه.
سأل يوكي مشككًا: 
- جمعية الرعاة؟ هل هناك شيء كهذا في جامعتنا؟ 
أردف المالك: 
- وسنفعل ذلك الآن. توجهوا إلى الملعب حالًا. 
تمتم نيكو تشان بكلمات مثل: ارفق بي يا إلهي! 
 بتشجيع من كيوسي، توجهوا إلى الموقع المنشود بملابسهم المعتادة. تبعهم نيرا أيضًا ظنًا منه أنهم ذاهبون في نزهة. 
على الأرجح أننا سنسجل توقيت كل منهم في ملاعب الجامعة. ظن كاكيرو أن هذا ما سيحدث، لكن كيوسي كان يسرع في الاتجاه المعاكس. يبدو أن وجهتهم كانت ملاعب الحي الواقعة خلف نهر سين مباشرة.
استفسر كاكيرو كيوسي:
- لمَ لا نستعمل مضمار الجامعة يا هايجي سان؟ فهي أقرب لاوتاكي وتخضع للصيانة دائمًا. 
- كل الفرق الرياضية يستعملونه، لن يأتي دورنا ولا في مليون سنة. 
- لكننا نادي المضمار، أليس لنا الأولوية؟
قال كيوسي بنبرة باردة: 
- هناك تسلسل هرمي لكل شيء. 
بمعنى آخر، كان ناديهم صغيرًا لا يعلم عنه أحدًا. استأثر كاكيرو الصمت عن الرد حتى لا يستفز كيوسي بلا داعٍ. 
مع أن العشب كان نابتًا هنا وهناك على ملعب الحي، إلا أن طوله يبلغ أربعمائة متر.
أوجز كاكيرو في شرح جدول التدريب، وكان كالتالي: ساعة من الهرولة قبل وبعد تمرين الركض الأساسي. وبعدها تمارين التمدد، ومساعدة بعضكم بعضًا في التدليك. وهلمّ جرًا. 
سأل موسى: 
- هل الهرولة هو الجري البطيء؟ 
- أجل، الركض بسرعةٍ لا يضع ضغطًا كبيرًا على الجسد؛ فقد يسبب العدو المفاجئ أو التوقف الإصابات. 
علق أوجي بتعابير تنم عن يأسٍ مستميت: 
- سأموت تعبًا من ذلك فحسب!
- ألم تنجح في ركض مسافة خمسة كيلومترات اليوم؟ لا تقلق، ستعتاد على الأمر. وستحصد ثمار تعبك إن اجتهدت في التمرين. 
لم تكن كلمات كيوسي تهريجًا؛ إذ يحتاج عداء المسافات الطويلة إلى عضلات مختلفة عن عدائي المسافات القصيرة. فبدلاً من بذل قوة دفع لحظية متفجرة، عليه الحفاظ على قوة دفع ثابتة لفترة طويلة. تقاس قدرة عداء المسافات القصيرة بالكامل على قوة عضلاته الفطرية تقريبًا، أما في حالة عداء المسافات الطويلة فمن الممكن تحسين قدراته شيئًا فشيئًا بالتدريب.
بمعنى آخر، لا يمكن التحسن في ركض المسافات الطويلة ما لم يخضِع الرياضي جسده تمامًا بالتدرب كل يوم. الموهبة مطلب في جميع الرياضات، ولكن ميزان المواهب والجهد المبذول في رياضة ركض المسافات الطويلة يميل إلى جهة الجهد المبذول.  
انقسموا إلى مجموعتين لتسجيل توقيتاتهم فور وصولهم. تضم المجموعة الأولى كلًا من تعذر بعجزه عن الهرولة قبل الركض لتسجيل التوقيت، -أي الجميع عدا كاكيرو وكيوسي- هؤلاء سيركضون مسافة خمسة آلاف متر بسرعتهم القصوى هذه المرة فقط لأن هذه مرّتهم الأولى. وسيسجل كاكيرو وكيوسي التوقيتات وهما يهرولان على المسار ذاته. وبحلول الوقت الذي سينتهيان فيه من الهرولة سيكون أوجي قد أنهى الركض غالبًا، وبعدها سيركضان الخمسة آلاف متر. 
تسجيل التوقيت لمجموعة تعدو بسرعة هائلة ليس عملًا سهلًا ويتطلب صبرًا عظيمًا؛ إن فقدت تركيزك ولو لحظة ستضيع عدد الدورات التي قطعوها. 
شزر كيوسي نيرا الذي كان يتمرغ في التراب في إحدى أركان الملعب وكاكيرو كان يركض على مهل بجانبه. وقال:
- ليت باستطاعة نيرا الضغط على زر الايقاف. 
- اسمع يا هايجي سان، مهما نظرت للأمر، سيكون من الصعب أن يصل أوجي إلى مستوى يؤهله للركض في التصفيات، ألا توافقني؟ انظر إلى حاله الآن، إنه متخلّف عن البقية بأكثر من دورة كاملة. 
قال كيوسي مجددًا: 
- سيكون الأمر على ما يرام.
- ما هو برهانك؟ 
- في رأيك يا كاكيرو، ما هي أهم صفة يتحلى بها عداء المسافات الطويلة؟ 
- لنرى… هناك الكثير، أظن أن المثابرة أحد هذه الصفات، أو شيء كهذا؟ 
- برأيي هو الإلتزام. لقد رأيت كومة مانجا أوجي، أليس كذلك؟ من النادر إيجاد من لا يشغل تفكيره إلا المانجا طوال الوقت، فهو يكرس كل وقته وماله للمانجا ولا يخرج ليلًا للّهو أو يسرف أمواله. مبهر تكريسه لشغفه! إنّ من لا يستعصي عليه الإلتزام  بشيء واحد فقط يجعله مناسبًا تمامًا لركض المسافات. 
نظر كاكيرو إلى كيوسي بنظرات إعجاب. 
بعد انتهاء الجميع من الجري، سجل كاكيرو أرقامهم على ورقة. 
 
كاكيرو – 14:38:37
هايجي – 14:58:54
موسى – 15:01:36
جوجي – 16:38:08
جوتا – 16:39:10
شيندو – 17:30:23
يوكي – 17:45:11
كينغ – 18:15:03
نيكو تشان – 18:55:06
أوجي – 33:13:13
شكّلوا دائرة وحدقوا في الورقة. 
- هل تساهلت يا كاكيرو؟ 
- كلا، لم أكن في أحسن أحوالي. ماذا عنك يا هايجي! أليست حالتك الصحية غير مستقرة؟ 
- إنني أتماثل بالشفاء. على أي حال يا موسى، لقد توقعت توقيتك هذا، تستطيع حتمًا أن تركض في مدى ثلاث عشرة دقيقة. 
- مُحال، لقد بلغت حدودي وظننت أن قلبي سينفجر!
حدق كيوسي في وجوههم وقال: 
- المهم، حكمًا على المرة الأولى هذه ليست نتائج سيئة. وكما توقعت، إنكم تملكون الإمكانات. لقد أتممتم ركض هذه المسافة بهذا المستوى وهذا يعني أنكم ستتحسنون أكثر مع التدريب. 
بعد ما طمأنهم كيوسي، ضرب التوأم وشيندو أكفّهم في سرور. ومع ذلك، بدا يوكي غير راضٍ عن توقيته وبدأ عقله الذكي يحلّل الأمور فورًا:  
- سبع عشرة دقيقة... هيئتي ما تزال غير متسقة بما يكفي. 
وتذمر كينغ قائلًا: 
- إنني متأخر عنك بدقيقة، توقيتي كان ثمانية عشر. 
علق يوكي على نيكو تشان:
- رائحة عرقك كرائحة النيكوتين. 
رد وهو يشم ذراعه: 
- حقًا؟
طمأنهم كيوسي يقول: 
- ما من خطب في هيئاتكم، أجساد كينغ ونيكو تشان ليست معتادة على الركض لذا ليس عليكم سوى تحسين توقيتكم مع مرور الوقت. لنعد الآن إلى آوتاكي ونحظى بالعشاء. 
شد جوجي طرف قميص كيوسي وقال: 
- لقد نسيت أحدًا يا هايجي سان. 
كان أوجي طريحًا ووجهه على الأرض على طرف المضمار. لم يحرك ساكنًا حتى عندما نكزه نيرا بأنفه. 
- كم كان توقيت أوجي؟
أجاب كاكيرو: 
- ثلاث وثلاثون دقيقة وثلاث عشرة دقيقة وثلاث عشرة ثانية. 
فرك كيوسي صدغه مفكرًا:
- من الصعب التعليق على ذلك… ولكن.. حسنًا، تكفي الإشادة بأن الأوتاكو مهووس المانجا قد ركض من البداية إلى النهاية دون توقف. دعونا لا نفقد الأمل. 
إذًا إنك حقًا ترى أوجي ليس إلا أوتاكو. هذا ما فكر به كاكيرو ولكنه لم يعلق. 
سنشرع في التدريب الحقيقي بدءًا من الغد. ركضتم للتو خمسة كيلومترات بسرعتكم القصوى، لكن من اليوم فصاعدًا ستطول المسافة وستزداد سرعتكم، لا أود منكم إلا أن تطمئنوا وتتبعوا توجيهاتي، هذا كل شيء لليوم. انصراف! آه! نسيت إعلامكم أننا سنرجع إلى آوتاكي ركضًا. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بأعين نجم

الفصل الثالث - الجزء الثالث

رواية "اركض مع الريح" مترجمة