الفصل الثالث - الجزء الثالث
الأجزاء السابقة هنا
الفصل الثالث
الجزء الأخير
كان نيكو تشان يتعذب في غرفته؛ إذ بالكاد أحرز تقدمًا في تطوير البرمجيات الذي يعمل عليه في وظيفته الجزئية لأنه أرهق جسده من التدريب، لكن موعد التسليم على الأبواب؛ ولأن نيكو تشان يتولى نفقات تعليمه ومعيشته بنفسه، لم يكن إهمال وظيفته بعذر التعب خيارًا متاحًا.
فيما كان يكافح على حاسوبه، إذ طُرق بابه. هل جاء كينق لاستعارة حاسوبي مجددًا في عز انشغالي؟ انزعج نيكو تشان قليلًا، لكنه ارتأى بعد ذلك أنه بحاجة ماسة إلى تغيير مزاجه، فقال:
- أدخل.
من فتح الباب وبرزت رؤوسهم كانوا التوأم وأوجي. صرخ جوجي متعجبًا فور دخوله قائلًا:
- واو! غرفة سينباي ليست بيضاء من الدخان.
استنشق جوتا الهواء النقي وقال:
- لقد أقلعت حقًا عن التدخين.
- وبفضل ذلك لا أقدر على إتمام عملي.
أمسك نيكو تشان دمية سلكية أخرى كانت بطول إصبعه وهو يتذمر. كان يشغل يديه ليصرف تفكيره عن التدخين إن راودته نفسه، وهكذا ترامت العديد من الدمى السلكية الصغيرة على حصير التاتامي.
أزاح أوجي الدمى جانبًا وجلس، ثم قال:
- غرفتك مليئة باللعنات، مخيف! هل يمكنني استعارة حاسوبك قليلاً؟
- شرط أن تفرغ منه سريعًا، في ماذا تحتاجه؟
أجاب جوتا:
- يرغب أوجي سان بشراء سير المشي من مزاد عبر الإنترنت.
ركز أوجي حالًا في التصفح.
- لماذا؟
لاحظ نيكو تشان أن يده شرعت تفتش عن سيجارة لا إراديًا فاستدرك وهمَّ يعبث بالأسلاك مرة أخرى.
- ارتأيت أنه سيكون من الرائع لو استطعت الركض في غرفتي وأنا أقرأ المانجا... مهلًا، نيكو تشان سينباي! ما هذا!
رأى أوجي شيئًا بجوار فأرة الحاسوب فصرخ.
- ماذا؟ إنها سجائر.
علبة السجائر ملفوفة بأسلاك. مسح أوجي زوايا عينيه التي احمرَّت وقال:
- ريكيشي!* أنت ريكيشي يا نيكو تشان سينباي!
لم يعلق أحد على كلامه لأن أيًا منهم لم يقرأ آشتا نو جو.
- أنت جاد حيال الركض يا نيكو تشان سينباي.
جفل نيكو تشان عندما حدق أوجي في وجهه بأعينه المحمرة.
- ألستم جادون أيضًا يا رفاق؟ حتى أنك ستشتري جهاز السير.
- لا نملك خيارًا؛ إن هايجي سان مصر على ذلك.
تنهد جوجي وهو يتفقد الدمى السلكية واحدة تلو الأخرى. وأومأ جوتا أيضًا.
- إننا نحب العيش في أوتاكي، ونحب هايجي سان أيضًا، إن قال إننا سوف نسعى إلى هاكوني؛ فعلينا أن نبذل كل البذل لذلك.
- لكنني أتساءل لم هاكوني إيكدن؟؟ إن كان من أجل الركض وحسب، فهو قادر على الركض قدر ما يشاء وحده دون تجشم عناء إقحام أحد مثلي.
- بل لأنه لا يمكنه ربط الوشاح وحده.
اشتدت رغبة نيكو تشان في التدخين.
قال جوتا:
- نعلم أن كاكيرو وهايجي سان سريعان، لكن لماذا لا يضم أعضاء أسرع منا من مكان آخر؟
- أعتقد لأن أوتاكي فيها عشرة مستأجرين فاكتفى بهم وظن أننا سنفي بالغرض.
تجهم أوجي عند سماع رد نيكو تشان واستأنف التصفح.
- لا أريده أن يعزم أمره.
ابتهج جوجي وقال:
- لا نعرف نوايا هايجي سان الحقيقية بعد، زد على أنني أستمتع كثيرًا بالركض.
بدأ جوتا وجوجي بتدليك أسفل الظهر والساقين لبعضهما البعض.
- وأنا أيضًا.
ضحك نيكو تشان وهو يفرك أكتاف أوجي. لقد عرف فور مجيء كاكيرو إلى تشيكوسي سو أن ما يترقبه كيوسي قد وصل أخيرًا.
كاكيرو الذي يبدو كمن وُلد ليركض، وكيوسي الذي ذاق مرارة ألم عدم القدرة على الركض. مع شغفهم اللامتناهي بالركض؛ سيؤثر هذان الاثنان على بعضهما البعض ويصعدان إلى ارتفاعات يستحيل على معظم الناس الوصول إليها حتى إن رفعوا رؤوسهم، وعلى أعضاء تشيكوسي سو الآخرين مساعدتهما في ذلك. كم سنتحسن في ستة أشهر قبل التصفيات؟ بغض النظر عما إذا كنا سنتمكن من المشاركة في هاكوني أم لا، فكاكيرو وهايجي سيتغيران كثيرًا من الآن فصاعدًا. قبض نيكو تشان على اليد التي كانت على وشك لمس السيجارة، وطُرق بابه مرة أخرى، هذه المرة كان شندو.
- لقد وجدتك أخيرًا يا أوجي!
- ماذا تريد؟ إن كنت تبحث عني من أجل المسابقة، فرجاء أخبر كينق سان أنني لا أستطيع الانضمام الآن.
جلس شندو على أطراف أصابعه في زاوية الغرفة بتحركاته الهادئة المعتادة وقال:
- خلد كينق سان وموسى للنوم لأنهما كانا متعبَين، هل تريد جهاز السير؟ لقد اتصلت بالبيت سابقًا وأخبروني أنهم يملكون واحدًا صالحًا في سقيفتنا، وسأطلب منهم إرساله إذا كنت بحاجة إليه، ما رأيك؟
- من فضلك! أجل أريده!
وأغلق أوجي على الفور موقع المزاد.
سأل جوجي:
- لماذا تملك جهاز السير في بيتك؟
أجاب شندو:
- في الريف، عادة ما تكون كراسي التدليك وأجهزة المشي وأبراج الطاقة ملقاة في كل مكان تتراكم حولها الغبار.
قال نيكو تشان في نفسه: كاذب، لا أملك أيًا من هذه الأشياء في منزلي.
لكن التوأم صاحا متعجبين وقالا:
- لا يصدق!
- منزلك كبير جدًا!
وقال أوجي:
- أرجو أن تشحنها نقدًا عند الاستلام على الفور. سنستيقظ مبكرًا غدًا أيضًا، لذا سأذهب لأنام.
ثم غادر الغرفة.
وكالعادة، إنه هذا الانعدام الطفيف في التضامن؛ مع أنهم أتوا إلى غرفة نيكو تشان مع أوجي، إلا أن التوأم اللذان تركهما لم يبد عليهما أنهما أحسَّا بالإهانة. توقفا عن التدليك وقالا:
- سنذهب أيضًا، تصبحووون على خير.
فور خروجهم، خرج يوكي من الغرفة المقابلة لهم، وقال لهما:
- كنتما صاخبان للغاية طوال الفترة الماضية يا رفاق! لم أستطع النوم!
تولى نيكو تشان زمام الدفاع عنهما.
- لا تفرغ غضب منعك من ارتياد النوادي عليهما.
- أنظروا من يتحدث! الذي يعاني من أعراض انسحاب النيكوتين.
تدخل شندو الرزين وقال:
- هون عليك، علينا الاستيقاظ في السادسة من أجل التدريب الصباحي مرة أخرى غدًا، لذا كفوا عن الشجار. بالمناسبة يا نيكو تشان سينباي، هل يمكنني أخذ هذه الدمى الفنية السلكية؟
- بالطبع، ولكن لماذا؟
- لقد خطرت لي فكرة للتو.
أخذ شندو حفنة من الدمى السلكية ووضعها في جيبه، وغادر الجميع كلٌ لغرفته. استبدلت أصوات الخطوات وقعقعة الأبواب بالصمت وساد الهدوء تشيكوسي سو.
عند الباب، تحدث يوكي إلى نيكو تشان بنبرة منخفضة قائلًا:
- هل ستتعاون مع هايجي حقًا؟
- ما الخطأ في ذلك؟ أنت أيضًا متحمس بالقدر ذاته.
- لا بأس عندي، سأحصل على شهادتي عما قريب، ونجحت في امتحان المحاماة، أما أنت، إن لم تركز على دراستك، فلن تتاح لديك المزيد من الفرص.
اتخذ نيكو تشان منعطفات كثيرة قبل دخوله الجامعة وبعدها، خلال ذلك الوقت، وبفضل انغماسه في معظم اهتماماته، اكتسب العديد من الطرق لكسب المال؛ حتى لو لم يتمكن من التخرج من الجامعة، وإن لم يستطع العثور على وظيفة حقيقية لاستطاع تدبر أمره. ومع ذلك، فهم مقاصد كلام يوكي وقلقه عليه، فقال:
- شكرًا لك.
انحرج يوكي وتظاهر باللامبالاة.
استدار يوكي وكان على وشك الرجوع لغرفته لكن نيكو تشان ناداه وقال له:
- لنجعل هذه السنة سنة رائعة، فهذه السنة الأخيرة التي سنقضيها معًا في تشيكوسي سو.
توارى يوكي خلف الباب في هدوء، وحدق نيكو تشان مرة أخرى في شاشة حاسوبه في حين راودته نفسه مراودة شديدة على التدخين.
وكالمتوقع، لم يحرز أي تقدم في تطوير برامجه ولم ينتج إلا دمى سلكية بلا هدف.
ــــــــــــــــــــــــ
قسّم كيوسي برنامج التدريب إلى ثلاثة مستويات: المستوى الصعب لكيوسي وكاكيرو، السهل لأوجي، والمتوسط للبقية.
أما الهدف العام فكان التركيز على جعل أجسادهم تعتاد الركض، ومن ثم زيادة سرعتهم وقدرتهم على التحمل شيئًا فشيئًا في نفس الوقت. وحتى لا يصيبهم الملل شمل البرنامج تنوعًا في أماكن التدريب، وراعى أيضًا اختلافاتهم الجسدية والذهنية.
فكر كاكيرو مرة أخرى، هايجي سان ليس رجلًا عاديًا؛ لا بد أن يكون رياضيًا جيدًا جدًا حتى يستطيع إعداد برنامج تدريبي بهذه الدقة. أراد كاكيرو أن يعرف كيف كان كيوسي يركض قبل إصابة ركبته، لإذ م يستطع كبح فضوله حول وجود عداء سريع مثله، وللمرة الأولى، شعر كاكيرو بالرغبة في الحديث عن الركض مع كيوسي.
على أي حال، كان الجميع عداه هواة لم يتمكنوا من تخمين قوة كيوسي الحقيقية من برنامج التدريب فحسب، وحدّقوا في حيرة في الجداول الموزعة على الطاولة.
كان جوجي الفضولي هو من كسر الجمود وسأل:
- مهلًا يا هايجي سان، ما هو "خ.م"؟
- اختصار لخارج المدينة؛ أي الركض في الطبيعة، ليس على المسار أو الطريق؛ سنستغل الحقل المفتوح.
- حقل مفتوح؟ تقصد الذي على بعد كيلومترين من آوتاكي؟ هل سنقطع كل هذه المسافة إلى هناك؟
مقاومة التربة لقدميك أقل من مقاومة الأسفلت، وأيضًا هناك الكثير من المرتفعات والانخفاضات، وهذا مناسب تمامًا لتغيير الوتيرة.
سأل جوتا مرتعبًا:
- إذًا.. خ.م 2.5k x 6 تعني.....
- لقد قست مسافة الحقل وأتيت بمسار مسافته اثنان ونصف كيلومتر للدورة الواحدة، وعدد الدورات ست، سأخبرك أكثر عن تضاريس المسار في وقت لاحق.
بهت وجه أوجي وقال:
- إذًا، سنركض مجموع خمسة عشر كيلومترًا؟
كيوسي كان عديم الرحمة عندما قال:
- هذا ليس كثيرّا، لكنها ليست إلا البداية. أما كاكيرو، فسيركض ثمانية دورات.
رفع موسى يده وسأل:
- ما هو الركض السريع؟
- إنه الركض بوتيرة محددة. سألقي نظرة على حالتك البدنية وقدرتك على الجري في كل مرة وأرشدك.
رفع كيوسي رأسه عن جدول التدريب وتفحص وجوههم للتأكد من أن شروحاته قد تشرّبتها رؤوسهم.
ابتسم موسى مؤكدًا:
- لا تقلق، ما من شيء لم أفهمه حتى الآن.
- هذه التمارين مخصصة لتعزيز القدرة على التحمل، أو بعبارة أخرى، اللياقة. لا تبالغوا فيها، وركزوا على إتمام المسافة بثبات، لذلك، يجب أن لا تكون هرولة قبل وبعد التدريب على وتيرة ترهقكم لاحقًا، أعلم أنني قد قلت هذا كثيرًا، لكن احرصوا على أن تدعوا أجسادكم تسترخي حتى تستمروا في الركض لفترة أطول لزيادة معدل مسافاتكم.
كان شندو يدون ملاحظات لتفسيرات كيوسي في حزم حين قال:
- لذا فإن الجري يعني الركض، أليس كذلك؟*
- ومع ذلك، لن تزداد معدل سرعاتكم إذا ركضتم ركضًا بطيئًا، ولهذا أدرجت التدريب المستمر والفتري، التدريب المستمر هو التمرين الذي تزيدون فيه السرعة تدريجيًا وتندفعون، أما الفتري فهو التبادل بين وتيرتي السريع والبطيء.
قال كينغ:
- أعرف ما هو الاندفاع؛ إنه مثل سباق ماراثون من خمسين أو مائة متر.
- هذا صحيح، لكن العدائين لمسافات طويلة عادة لا يتدربون على ركض المسافات القصيرة؛ لأنهم يستعملون عضلات مختلفة.
نظر كيوسي مجددًا إلى جدول التدريب.
- مكتوب في جدول كاكيرو للنصف الثاني من أبريل "زد سرعتك عند ١٠٠٠٠" أليس كذلك؟ وهذا يعني: أثناء ركض عشرة آلاف متر، زد سرعتك تدريجيًا، أي من سرعة 3.05 دقيقة لكل كيلومتر في البداية إلى حوالي 2.50 دقيقة في الكيلومتر الأخير. أعتقد أن ذلك سينفع كاكيرو.
نظر جوجي بنظرات قلقة إلى كاكيرو:
- أليس هذا مؤلمًا جدًا؟
أجاب كاكيرو في برود:
- بلى.
ابتسم كيوسي وقال:
- لا معنى للتمرين إذا لم يكن مؤلمًا؛ إذ من المفترض أن تدفع وظائف القلب والرئتين. إن استطعتم ركض عشرة كيلومترات بسرعة محددة، فيمكنكم التكيف على مسافة أطول من ذلك. يجب تعزيز الكفاءة القلبية الرئوية من أجل تحقيق التوازن بين السرعة وقدرة التحمل؛ هذا هو الغرض من تدريب السرعة.
كان يوكي يفكر في نظرية تدور في ذهنه حين رفع نظارته وقال:
- لكن لا يمكننا المبالغة في ذلك، أليس كذلك؟ يخلق تدريب السرعة مزيدًا من الإرهاق، وهي شاقة على القدمين.
أومأ كيوسي وأردف:
- أجل، ستذر الريح جهودنا إن أصيب أحدكم. بالنسبة للمبتدئين؛ لم يحن أوان التدريب المستمر بعد، سنركز أولاً على زيادة كفاءة التحمل، ولكن مع ذلك، فالتدريب على السرعة أمر لا مفر منه، وهنا سيأتي دور التدريب الفتري.
نظر جوتا إلى الجدول، وسأل مرتبكًا:
- أيهم هو التدريب الفتري؟
أجاب كاكيرو:
- تلك التي بين قوسين، مثل ‘200 (200) × 15'؟
- هذا ما يتحدث عنه.
أردف كيوسي:
- أي ركض مائتي متر بوتيرة سريعة، ثم الهرولة بوتيرة أبطأ لمئتي متر أخرى، ثم تكرار ذلك خمس عشرة مرة. وهذه الطريقة تسنح لك أخذ قسط من الراحة أثناء الركض لمسافة مائتي متر.
اشتدت تعابير يوكي واستدار لمواجهة كيوسي:
- ما زلنا نركض حتى عندما نرتاح؟ كم هذا بطولي. ماذا تقصد بالوتيرة السريعة بالضبط؟
- أريدكم يا رفاق أن تركضوا مائتي متر في حوالي ثلاثين إلى اثنتين وثلاثين ثانية، ولكن لاستحالة فعل ذلك بدايةً؛ سأراقب آداءكم أولًا ثم أرشدكم.
صاح جوجي إعجابًا أو دهشة قائلًا:
- تدريب كاكيرو الفتري مدهش! "مكتوب عنده 400 (200) × 20"!
قال كاكيرو:
- ما زلنا في شهر أبريل، لذا فالتدريب ليس شاقًا، لكن عندما يحل الصيف، سوف يتحتم علينا الركض أكثر.
- أكثر من هذا؟
لا يسع الجميع هنا إلا أن يراودهم القلق حيال المستقبل. لم ينبس أوجي ببنت شفة منذ البداية. كان كاكيرو قلقًا، وتساءل ما إن كان حصوله على برنامج تدريب مختلف قد أشعره بالاستياء. لكن صمت أوجي ما كان إلا لأنه أمعن التفكير بطريقة تمكنه من التملص من الركض.
حاول أوجي إيجاد حل وسطي بينه وبين كيوسي، فقال:
- أفكر في التركيز على التدريب الذاتي فقط، ما رأيك؟
- أها، تقول تدريب ذاتي، كيف؟
- سيعطيني شندو سان جهاز المشي، عندها يمكنني قراءة المانجا أثناء استعمالها، ولأنني أقرأ المانجا طوال اليوم، أعتقد أنها ستفيدني جدًا.
- كيف ستكون إعدادات السرعة؟
- على إعدادات المشي البطيء...ربما؟
رفع كيوسي حاجبه ثم نظر إلى الجميع.
- سنطبق كل التدريبات على مسار المضمار، باستثناء مسار خارج المدينة، وركزوا في جدول التدريب حتى لا تخطؤوا في مكان الاجتماع.
قوبلت كلمات أوجي بالتجاهل التام.
ولدقة كيوسي؛ طلب منهم تدوين تدريباتهم، بالإضافة إلى التوقيت الذي سجلوه خلال تدريبهم الرئيسي استنادًا على جداولهم، وكذلك تدوين تدريباتهم الذاتية اليومية.
حذرهم كيوسي قائلًا:
- وإن كذبتم، سأكتشف ذلك فور التمعن في تحركاتكم أثناء التدريب الأساسي، وأهم شيء عندي هو كتابة الشكاوى والإصابات الجسدية، إذا استعسر عليكم إخباري مباشرة، فلا تترددوا في التعبير عنها في مذكرات التدريب.
تذمر أوجي قائلاً:
- سأشتكي كثيرًا، أنت لا تصغي إليَّ على الإطلاق.
- سأوافق على ذلك عندما أرى أنك قد وصلت إلى حدك الأقصى يا أوجي.
ثم سألهم كيوسي عما إذا كان هناك أحد مهتم بالركض صباحًا ومساءً حتى يتمكنوا من الركض في مجموعة.
- إن كنتم مهمومين بشأن النهوض باكرًا، أو لستم واثقين من مقدرتكم على إتمام تدريب المسافات، سأرى في الأمر.
أراد كاكيرو أن يتدرب بوتيرته، لذلك قرر الركض بمفرده في الصباح والمساء كما كان يفعل حتى الآن. يوكي الفرداني، ونيكو تشان -المقلع عن التدخين والمتبع لنظام غذائي بغية استعادة لياقته- طلبوا أيضًا التمرن وحدهم. زد على ذلك، كان عليهم التمرن على تدريباتهم الذاتية معًا واتباع تعليمات كيوسي لفترة من الوقت.
كان كاكيرو يراقب تحركاتهم عن كثب بعد إتمام تدريباته، أيام تدريب هاكوني كانت بائسة للغاية حد عدم استغرابهم من انسحاب أحدهم في أي وقت، فقبل وقت قصير، كانوا يعيشون حياتهم كما يحلو لهم؛ مستغلين فترة وجودهم في الجامعة وأوقات الفراغ التي كانت عندهم، عانى الكثير منهم في تقويم أسلوب حياتهم سلفًا حتى قبل خوضهم في المضمار.
استيقظوا مبكرًا وركضوا، ثم تناولوا الإفطار على عجل وهموا إلى الجامعة لحضور محاضراتهم. وعندما انتهوا تجمع الجميع وأكملوا التدريب الرئيسي في الحقل المفتوح. وفي المساء، استأنفوا الركض إلى وقت النوم.
وفي صباح الغد، تردد صوت القدر الذي يضربه كيوسي في جميع أنحاء المنزل، وهكذا ليلة بعد ليلة أنهكهم التعب حد فقدانهم الوعي في السرير دون حتى أن يستحموا.
في حمام البناية الرئيسية، أخبر موسى كاكيرو:
- تفوح من آوتاكي رائحة غريبة في الآونة الأخيرة.
قابل الاثنان بعضهما البعض في غرفة تغيير الملابس، فدخلا معًا إلى حوض الاستحمام الضيق توفيرًا للوقت. اتبع أساليب موسى في عمل الأشياء، فلم يفتحوا الإضاءة.
- يجتمع عشرة رجال قذرين في مكان واحد، وبعضهم لا يستحمون مع أنهم يتريَّضون.
- لن أخبرك من هم، لكنهم التوأم وكينق سان وأوجي.
- لقد أفصحت عنهم للتو يا موسى سان.
ضحك موسى.
- كينق سان وأوجي منهكان حقًا، أما التوأم فيستثقلان الاستحمام.
- هذا ليس جيدًا.
تبدلت لهجة كاكيرو إلى اللهجة الرسمية عندما بدأ الحديث مع موسى.
- إنهما يقلقانني، إذا لم يستحموا، فلن تأبه لهم الفتيات. أنت نظيرهم في مثل سنهم يا كاكيرو، صحيح؟ إذًا عليك تنبيههم تنبيهًا غير مباشر في المرة القادمة.
جال في بال كاكيرو أن هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها كلمة "نظير" في محادثة يومية، أجابه:
- حسنًا.
- يحدث شيء مثير للاهتمام خلال التدريب المسائي في الآونة الأخيرة.
- ما هو؟
لم يُجب موسى، بل ضحك مرة أخرى.
- يحدث ذلك عندما أركض عابرًا منطقة التسوق، حريٌّ بك الذهاب لترى بأم عينك.
تعانقت ركبتيهما في الظلام، تمايل ضوء أبيض ومستدير بين الاثنين الجالسين مقابل بعضهما البعض في حوض الاستحمام.
- بالمناسبة يا كاكيرو، ظننت أن الضوء قادم من المصابيح الخارجية، فإذا به القمر.
وراء النافذة المفتوحة، كان القمر الضبابي يلوح في سماء ليلة الربيع.
وضع موسى راحتيه في الماء على مهل وابتسم قائلًا:
- انظر، أستطيع غرف القمر بيدي.
- أنت محق.
ضحك كاكيرو؛ إذ كان مستمتعًا أيضًا، في يد موسى كان القمر الصغير غائمًا، مثل جوهرة بيضاء.
لقد مر أسبوع منذ بدء التدريب، لكن أحدًا لم ينسحب. وفاق هذا توقعات كاكيرو، على الإجهاد الذي وصل بهم حدَّ إهمال الاستحمام.
تساءل كاكيرو، لماذا؟ أيكابرون كي لا يكونوا أول المنسحبين؟ أم لا يرغبون بعمل شيء من شأنه أن يؤثر سلبًا على علاقتهم وعيشهم مع بعضهم البعض؟ أم أنهم بدأوا يستهوون الركض؟ إن استمرينا على هذا المنوال دون انسحاب أحد فقد… تخيل كاكيرو في حوض الاستحمام. إن استطعت الوصول إلى هاكوني معهم.....
هذا التغير في طريقة تفكيره هو ما أدهش كاكيرو، إنني أترقب شيئًا... عندما زفر على مهل، اهتز القمر على سطح الماء قليلاً. أعاده هذا الترقب إلى ذكرى الخيانة تلك، وفاضت فيه حماسة لم يشعر بها قط حتى اللحظة.
خرج كاكيرو وموسى من الحمام في نفس الوقت ورجعوا إلى تشيكوسي سو. لمّا خلعوا صنادلهم عند المدخل، سمعوا صوت طقطقة قادمة من فوق رؤوسهم. فتح باب الغرفة 101، وعبر كيوسي من أمامهم غاضبًا صاعدًا الدرج. سُمع صوت صراخه قادمًا من غرفة التوأم على الفور، وكان يقول:
- لقد منعت لعب الماجونق! سأصادر هذه!
فكر كاكيرو، قد يكون الوصول لهاكوني حلمًا بعيد المنال، وتنهد. تدلّت ورقة النتائج من فتحة السقف، ومنها سُمع جوجي يتجادل قائلًا:
- سأحسبها لاحقًا، لذا أخف الورقة عن هايجي سان.
ضحك موسى والتقط الورقة قائلًا:
- حسنًا حسنًا.
ركض الطلاب الذين عزموا أمرهم ما لا يقل عن ستمائة كيلومتر في الشهر، وفي الأيام الأخيرة، كان من الشائع أن يركض البعض أكثر من ألف كيلومتر في الشهر. تدرب كاكيرو لمسافات أطول بغية تحقيق هذا المستوى، تمنى لهم التوفيق، لكن هذا لا يعني أنه سيطابق مستوى تدريباته مع مستوى فريق تشكّل حديثًا.
وبعد التدريب الرئيسي، عندما كان الجميع يعملون على تمارين التمدد على عشب الحقل على مهل في حين يغيرون ملابسهم، كان كيوسي يراجع مذكرات التدريب، فقال له:
- لقد بالغت في الركض يا كاكيرو.
خلال الأسبوعين الأولى، تجلَّد الجميع على التدريب واحتملوا الآلام الناتجة عنه؛ كآلام العضلات وبثور القدم الرهيبة، ولا عجب؛ إذ كانت عندهم الإمكانات منذ البداية. أخذت أجسادهم الآن تتكيف شيئًا فشيئًا؛ فصار الجري أمتع قليلاً، واستطاعوا استيعاب نظام التدريب.
تفاجأ كاكيرو من قدرتهم العالية على التكيف، بيد أن برنامجهم كان برنامج مبتدئين. فهو يمارس الركض على مستوى مختلف تمامًا. كان سيركض إلى ومتى ما يحلو له ما لم يوقفه أحد.
- جسدك لم يصل لكامل إمكاناته تمامًا بعد حتى في عمرك هذا، لذا لا يمكنك المبالغة، ماذا ستفعل إن أرهقت جسدك الآن وألحقت به الأذى؟
في الآونة الأخيرة، أحسَّ كاكيرو أن جسده بات خفيفًا جدًا، وكلما ركض أكثر أصبح أقوى وازدادت سرعته. هذا هو سبب عدم تأثره بتحذير كيوسي، ومع ذلك، أجاب ممتثلًا:
- حسنًا.
قال كيوسي:
- من ناحية أخرى، لا يركض أوجي إلا قليلًا. لاحظت في مذكراته أن كلمة "جهاز السير" كانت مكتوبة مرة كل يومين بدلاً من "الهرولة المسائية".
وأردف:
- ظننت أن الصدق إحدى محاسنك ولكن... لقد راودتك نفسك على شيء مثل "سأتخطى الركض وأقرأ المانجا"، أليس كذلك؟
حتى لو دعاه كيوسي للركض معه في المساء، فقد بنى أوجي حاجزًا من المانجا ورفض في عناد فتح باب غرفته.
بعدما طارده كيوسي، استسلم أوجي وهمَّ يبرِّر قائلًا:
- هذا صحيح، لكنني حقًا أقرأ المانجا أثناء المشي على جهاز السير، حتى أنني أشعر ببروز عضلات ساقي.
- دعني أرى.
تفحص كيوسي ساقيه ليتأكد. عندما رأى يوكي ذلك، حذره قائلًا:
- يجب أن تتوقف حقًا عن عادة لمس الساق هذه يا هايجي.
نهض كيوسي وهو يهمهم:
- مؤكد أنك أحرزت تقدمًا في الركض الصباحي والتدريب الرئيسي، لكن استعمال جهاز المشي أثناء قراءة المانجا ليست فكرة حسنة؛ سوف تفسد هيئتك، ولن تساعدك على تطوير إحساسك في الركض على الطريق، لذا آمل أن تنضم إلينا في التدريب المسائي كل يوم أيضًا.
لم يكن لدى أوجي خيار أمام جبروت كيوسي وصمته المخيف سوى أن يقسم له قائلًا:
- سأنضم.
تنفس كاكيرو الصعداء، لقد أراد من أوجي أيضًا الجري في الخارج قدر الإمكان؛ إذ كان جهاز السير الذي في غرفة أوجي يحتمل وزنًا هائلًا، وفي كل مرة يتدرب عليه كان سقف غرفة كاكيرو يُحدث صريرًا عاليًا وكأنه سينهد.
أكمل كيوسي:
- على عكس أميرنا الصادق، هناك ملك سلَّم مذكرات مليئة بالأكاذيب المنمقة.
فور سماعهم لكلمات كيوسي، نظر الجميع إلى كينغ وضحكوا. كان كينغ يلهو بالتراب بطرف حذائه محرجًا عندما برّر قائلًا:
- إذًا، لقد اكتشفت ذلك؟ هذا لأنني لا أحسن الركض مطلقًا، وتوقيتي لا يتحسن، ظننت أن هذا أمر سيئ، لذا تباهيت قليلًا في تقريري.
ألان كيوسي من نبرته حين رد عليه قائلًا:
- لقد بدأت التدرب منذ أسبوعين فقط، لن تظهر النتائج فورًا. لكي تفوز بلقب ملك المسابقات، لا بد من الإطراد في بناء معرفتك ومهاراتك لتصل سريعًا إلى الجرس، أليس كذلك؟ وكَذا المضمار؛ الحيل الرخيصة لن تنجح، لن تكتسب القوة البدنية والمهارات إلا بالتدرب يوميًا، وبعد ذلك تشجع في تقبّل قدراتك الحقيقية، فهي ما ستنقذك في النهاية عندما يحين الوقت. أعلم أنك كنت تجتهد في التدريب، لذا هون عليك ودوِّن الحقيقة.
أومأ كينغ وقال:
- لك ذلك.
أكمل كيوسي:
- لا مشاكل أخرى بخصوص المذكرات، لكن يا نيكو تشان سينباي…
كان نيكو تشان يربط حذاءه عندما ناداه كيوسي؛ فرفع رأسه وأجاب:
- نعم؟
- إنك لا تأكل كثيرًا في الآونة الأخيرة.
- هذا ليس صحيحًا.
- لا تكذب، هل نسيت من يحضر وجباتك؟
لقد كان كيوسي طبعًا، ليس من الممكن إخفاء أي شيء عن رئيس تشيكوسي سو؛ الذي لم يكن مسؤولًا عن تدريباتهم فحسب، بل حتى وجباتهم.
برر نيكو تشان وهو يحك خده قائلًا:
- اسمع، ألا ترى أنني ممتلئ الجسم؟ عليَّ أن أخسر بعض الوزن.
قاطعه كيوسي وقال:
- لا حاجة لذلك، جسدك يتحرك وأنت تتدرب، لذلك سوف تفقد الوزن حتى لو لم تقلل من كمية طعامك، قد يتسبب اتباع حمية قاسية في انهيار جسدك، لذا رجاءً اتبع نظامًا غذائيًا متوازنًا وسليمًا.
- حسنًا، ولكن إذا لم أصبح رشيق القوام قريبًا، حينها سأتبع حمية.
أكَّد كيوسي قائلًا:
- استنادًا على حساباتي؛ ستصبح ممشوقًا خلال الصيف، سأفكر في الأمر إن لم يفلح ذلك، لذا لا تُقدم على أي شيء متهور وحدك.
شندو الذي كان يستمع إلى المحادثة، أمال رأسه وسأل:
- هل خفة الوزن نافعة؟ ألن تقل طاقة الجسد إذا فقُد الوزن؟
أجاب يوكي على سؤاله:
- لا بد من منع الحميات غير المعقولة لخطورتها؛ إذ قد تسبب فقر الدم الذي سيجهد القلب، لكن خسارة الدهون الزائدة سيُحسن من وظائف القلب والرئة، حتى تصاميم سيارات السباق يجب أن تكون خفيفة قدر الإمكان حتى تعمل محركاتها جيدًا، وقِس على ذلك.
- فهمت.
وانسحب شندو من النقاش.
نظر كيوسي إلى الجميع وقال:
- كما أدلى يوكي، تمامًا مثل سيارات السباق التي يحرصون فيها على تناسق التصاميم، وإخضاع المحركات لاختبارات القيادة مرارًا وتكرارًا لتحسين كفاءتها، وهكذا العداء سيتحسن جسده بالتدرب يوميًا. إن أحدثت تغييرًا مفاجئًا، سيكون التأثير على جسدك تأثيرًا عنيفًا، لذا كونوا متنبهين.
"استعمل الثلج على العضلات إذا أحسست بحرارة بعد التدريب. لا تفوت التمدد والتدليك. احرص على تناول مكملات الحديد والفيتامينات."
بعد تعليمهم شتى طرق الوقاية من الإصابات وكيفية الحفاظ على صحتهم، صرفهم كيوسي جميعًا.
وفي طريق العودة إلى تشيكوسي سو، التقى كاكيرو بنيكو تشان صدفةً وهو يركض. كان نيكو تشان قلقًا حيال وزنه، ويمتنع الآن عن التدخين ولم يستطع التعامل مع قلقه، وبدا كئيبًا.
ينبغي عليه أن يسليه بالمحادثات الممتعة في مثل هذه الأوقات، لذا أمعن كاكيرو في التفكير؛ لكنه لم يستطع التوصل إلى شيء.
- ماذا سنأكل على العشاء اليوم يا كاكيرو؟
من استهل الحديث كان نيكو تشان، أنا حقًا لا أجيد شيئًا غير الركض. اغتم كاكيرو.
- الكاري ربما، لأن هايجي سان طلب مني شراء مسحوق الكاري من منطقة التسوق قبل التدريب.
ومضت فكرة لكاكيرو، هذا صحيح، منطقة التسوق! ألم يدعني موسى لأرى الهرولة المسائية؟ لعله من أجل أن يروّح نيكو تشان عن نفسه.
- نيكو تشان سينباي، هل تود الركض معي الليلة؟
- لماذا تتحدث وكأنك تغازلني فجأة؟
استدار يوكي الذي كان متقدمًا عليهم قليلاً وقطع المحادثة لإغاظته بوجه خال من التعابير، كما لو كان يرتدي قناعًا حديديًا، فقال:
- إلى أين تأخذني يا عزيزي؟
أجاب كاكيرو بتعابير جدية:
- منطقة التسوق.
كان الثلاثة من فريق الركض الفردي، لذلك قرروا الذهاب وإلقاء نظرة على "الحدث المثير للاهتمام" الذي يحدث لفريق الركض الجماعي.
وكالمتوقع، كان العشاء هو الكاري. ظهرت شخصية كيوسي المثالية في طبخه أيضًا؛ قبل التدريب الرئيسي، سلق البصل حتى أصبح طريًا ولينًا، ومزج العديد من بهارات الكاري الجاهزة التي اشتراها كاكيرو وأضافها على الطعام، لكن لم يلاحظ أحد لذوعة النكهة؛ إذ ابتهج الجميع لاحتواء الطبق على الكثير من أضلاع لحم الخنزير منزوع العظم. حتى السلطات التي نُسقت بالألوان تناولوها فورًا دون أن يعطوها حقها في النظر أو يتأملوها بصريًا.
- إنهم لا يستحقون كل هذا العناء.
وضع كيوسي الأطباق الفارغة في المجلى في أسى وحزن.
نيكو تشان الذي يبدو أنه قرر ترك الحمية قام لغرف مزيدًا من الطعام، وقف أمام طباخة الأرز وقال لكيوسي:
- بدلًا من التعني في الزينة وتحسين المذاق، أعطِهم اللحوم فقط.
لا يسع المطبخ لوضع طاولة طعام كبيرة تكفي الجميع، لذا عندما تمتلئ الطاولة، يُخرج المتأخرون طاولة شاي صغيرة ويجلسون في الردهة أمام المطبخ.
وصل شندو وموسى بينما كان كاكيرو يأكل. امتلأت طاولة الطعام تمامًا، ومع أن التوأم أنهيا عشاءهما وهمَّا بالحلوى، إلا أنهما لم يحاولا إخلاء مقاعدهما، بل تجادلوا جدالًا شرسًا، هل يغمسون الفراولة في الحليب المكثف أو الحليب والسكر؟
كاكيرو الذي كان حريصًا على هرمية الفارق العمري، وضع ملعقته في فمه وأخذ طبقه المليء بالكاري، وكان على وشك التخلي عن مقعده حين أوقفه شندو على عجل قائلًا:
- لا عليك يا كاكيرو.
قال موسى:
- الفوارق العمرية غير مهمة في أوتاكي، وهذا يعطي المكان نوع من الأريحية، أليس كذلك؟
- بلى.
جلس كاكيرو واستأنف الأكل. مقارنة بسنوات المرحلة الثانوية في فترة سكنه في مسكن نادي المضمار، حدوث موقف مشابه لهذا يعد أمرًا لا يصدق.
فعندما كان في سنته الأولى، توجب عليه الاهتمام بالاحتياجات الشخصية لزملائه الذين يكبرونه، مثل غسل أحذيتهم وثيابهم، وكان آخر من يستحم. لم يمانع ذلك ما دام استطاع تكريس نفسه للتدريب دون إثارة غيرة زملائه منه.
وعندما أصبح في سنته الأخيرة، لم يسمح كاكيرو لزملائه الذين يصغرونه بغسل حذائه؛ إذ اعتبرهم عناصر مهمة للتدريب، وتعجب من تصرفات زملائه السابقين. اغتابوه زملائه في الصف، قائلين أشياء مثل "إنه يفسد سير الأمور" و "يحاول أن يظهر بمظهر رائع". تجاهل كاكيرو كل شيء. لم يستطِع أحد أن يصل لسرعته، وكان مكتفيًا بالركض دون تحفظات عندما صار في سنته الأخيرة، لذا تركهم يقولون ما يشاؤون.
في النادي، أعرضوا عنه وجافوه، فصار منعزلًا.
ولكنه في تشيكوسي سو تنفس الصعداء، لا أحد هنا يعبأ بالفارق العمري، ويفصحون لبعضهم البعض عما يريدون.
سيطر نيكو تشان على مماراة التوأم بالقوة؛ إذا ألقى بالحليب المكثف والحليب بالسكر في أوعية الفراولة.
- يا لفظاعتك يا نيكو تشان سينباي! أردت تناوله مع الحليب والسكر!
- لقد فعلتها من أجلك.
- أنا أفضِّل الحليب المكثف.
- لقد وضعتها من أجلك أيضًا.
ترك كاكيرو التوأم -اللذان كانا بعيدين كل البعد عن التوصل إلى اتفاق- ونيكو تشان، وهمَّ يساعد كيوسي في التنظيف. وقف بجانبه أمام المجلى، وبدأوا يغسلون الأطباق.
- متى تركض بالقرب من منطقة التسوق يا هايجي سان؟
- حوالي الثامنة، لماذا تسأل؟
- لا عليك.
غمز موسى لكاكيرو حين قام لوضع صحنه في المجلى.
ذهب كاكيرو مع نيكو تشان ويوكي إلى حديقة الأطفال عند مدخل منطقة التسوق. ركضوا في مسار دائري بين صندوق الرمل والأرجوحة والزحلوقة، كان ركضًا رتيبًا مملًا، لكن هكذا يمكنهم مراقبة منطقة التسوق فيما يركضون.
ركضوا حوالي ثلاثين دورة تحت الأضواء الخارجية الخافتة في الحديقة، ولمَّا أحسّوا بالدوار يداهمهم؛ فإذا بكيوسي والآخرون من تشيكوسي سو ينعطفون من الزاوية، دخولًا لمنطقة التسوق الكبيرة المفضية إلى المحطة. مستوياتهم كانت مختلفة لذا كان الموكب طويلًا وممتدًا، لكن أوجي أفلح في مواكبتهم.
- ها هم ذا.
- لنتبعهم خفية.
غادر كاكيرو والآخرون الحديقة ودخلوا منطقة التسوق.
اصطفت العديد من المتاجر على جانبي الشارع الضيق: أُغلق المخبز بعد انتهاء العمل؛ وكان تاجر السمك يصرخ معلنًا عن آخر البضائع لتُباع قبل وقت الإغلاق، وهوى الناس لكشكات الوجبات الخفيفة الليلية.
ألقت المصابيح التي تشبه الفوانيس الورقية ضوءًا برتقاليًا على الشارع. واكتظت منطقة التسوق بالناس العائدين إلى منازلهم من المحطة، والمتسوقين الذين يستهدفون السلع المخفضة.
تذمر يوكي قائلًا:
- أوجي بطيء للغاية، سيكون من الصعب الركض دون تجاوزه
اختبأ كاكيرو والآخرون خلف المارة وتجاوزوا أوجي. عندما لاح لهم ظهر كينغ، تجاوزوه أيضًا دون أن يلاحظهم.
- إنه هايجي.
أشار يوكي إلى الأمام بذقنه. كان كيوسي يركض باتجاههم.
- ما به يعود؟
- من السابق لأوانه العودة من المحطة.
حاول الثلاثة المرور خلسة فأخفضوا رؤوسهم، لكن كيوسي نجح في ملاحظتهم فسألهم:
- لماذا التخفي يا رفاق؟
استدار كيوسي وركض بمحاذاة كاكيرو والأخريَين.
سأله كاكيرو:
- ماذا تفعل يا هايجي سان؟
أجاب كيوسي:
- جئت لأرى كيف حال المتأخرون في الخلف.
كانت مهاراته في الإرشاد لا تشوبها شائبة كالمعتاد. تساءل كاكيرو إلى أي مدى كان يركض لمراقبة الجميع. كان قلقًا بعض الشيء؛ فساقيه لم تتعاف تمامًا بعد.
في هذه الأثناء، كان كيوسي يواصل حديثه مع يوكي.
- قال كاكيرو إن شيئًا مثيرًا للاهتمام يحدث معكم يا رفاق، لذلك جئنا لنرى.
- أوه، هل تقصد هذا؟
وأشار كيوسي إلى الأمام مباشرة، حيث كان شندو وموسى يركضان جنبا إلى جنب.
- ماذا بهما؟
حيرة نيكو تشان كانت منطقية. كان شندو وموسى يرتديان قمصانًا بيضاء، كُتبت على ظهورهم كلمات بقلم أسود لا يزول، أمعن كاكيرو النظر ليقرأ الكلمات المكتوبة على ظهريهما وكانت:
"إننا نهدف إلى هاكوني إيكدن!
مطلوب مشجعين لنادي جامعة كانساي للمضمار والميدان."
علق يوكي:
- خُطّت الحروف جيدًا.....
أوضح كيوسي دون أن يلهث:
- كُتبت على ما يبدو بخط يد شندو، نهيته عن ذلك لأنه أمر محرج، لكنه أصر على فعل ذلك لحاجتنا لجمع الأموال. ولقد وفر قمصانًا للجميع.
محال أن أرتدي هذا، فكر كاكيرو. كان شندو دائمًا هادئًا ويغلب عليه الصمت، تحيطه هالة من الانعزال وكأنه ليس من هذا العالم، لكن اتضح أنه رجل عملي.
- جمع شندو سان للأموال بهذا النشاط الكبير لهو أمر مفاجئ.
تبسم كيوسي وقال:
- يُخرج الركض جوانب غير متوقعة من الناس.
نادى كيوسي على شندو وموسى اللذان كانا يركضان نحوهم:
- هؤلاء الثلاثة يريدون التعاون معكما.
لم نقل ذلك أبدًا، لم نقل ذلك أبدًا! هز كاكيرو والآخرون رؤوسهم رافضين في تزامن تام. انضم إليهم موسى ورفع يده قليلاً نحو كاكيرو:
- سأعطيك أحد قمصان شندو سان المصنوعة يدويًا يا كاكيرو، وأيضًا، فضلاً انظروا إلى تلك الناحية.
كانت هناك دراجة تتمايل عبر الحشد. كان الراكب فتاة في نفس عمرهم تقريبًا، كان شعرها مربوطًا، وتقود دراجتها بكل قوتها، وعيناها شاخصتان على شيء ما. لاحظوا ملامحها المألوفة حتى من مسافة بعيدة، وكانت حادة وجميلة.
قال كيوسي:
- هذه ابنة مالك ياوكاتسو.
أحال كاكيرو نظره من الفتاة إلى كيوسي.
- كيف تعرفها؟
- إنني آتي إلى هنا لشراء مكونات الطعام منذ فترة طويلة، وكنت أراها هنا من حين لآخر.
- وهل تحدثت معها؟
ضحك كيوسي وقال:
- محادثات يومية من قبيل " أوراق هذه الدايكون طيبة" و"هذا هو الباقي من المال"، هل ينتابك الفضول حيالها يا كاكيرو؟
- لا، ليس حقًا.
أحال نظراته عنها. كانت الدراجة لا تزال متجهة إلى المحطة، تغمر الحشد وتخرج منه.
سحب شندو حافة قميصه وقال:
- لقد أصبحنا معروفين قليلًا بفضل القميص. إننا نركض في طابور هكذا يوميًا، فينادينا أصحاب المتاجر الذين يعرفون هايجي سان سلفًا ويستفسرون منه قائلين:" أأنت طالب تقيم في تلك البناية المتهالكة؟ أرى أنك شرعت في شيء مشوق".
قال كيوسي:
- المالك عضو منتظم في صالة الاستقبال هنا. وكان ينشر خبرًا مفاده أن مقيمي أوتاكي يهدفون إلى هاكوني إيكدن.
فكر كاكيرو، لعلها خطة، فإسهام السكان المحليين يُصعّب على الأعضاء الانسحاب، أعجب كاكيرو بكيوسي وقدرات المالك في إزاحة العقبات عن طريقهم. ولما كان شندو أول من أعلن مشاركته، فقد بادر أيضًا في المساهمة بالدعاية. انجرف المقيمون البسطاء سريعًا مع التيار نحو هاكوني إيكدن. هل سيكون الأمر على ما يرام؟ شعر كاكيرو بعدم الارتياح. ومع ذلك، إبداء الناس اهتمامًا بكاكيرو والآخرين كان جميلًا ومشجعًا.
أشار موسى إلى ابنة ياوكاتسو وقال:
- لقد ظهرت مؤخرًا، هدفها هو…
نظر كاكيرو ونيكو تشان ويوكي إلى ما هو أبعد منها. من كان يركض هناك…
صرخ كاكيرو مصدومًا:
- التوأم!؟
صرخ نيكو تشان أيضًا.
- أيهما؟!
هز موسى كتفيه.
- لا أعرف.
علق يوكي في برود:
- من يأبه؟ فهما متشابهان.
أشعر بعبق الحب في الأجواء، ولا يبدو أن جوتا وجوجي قد لاحظا ذلك أبدًا، يجب عليه نصحهم بأخذ حمام مناسب في أقرب وقت ممكن.
أما الآن، لا شك أن الأعضاء الذين كدّوا في الركض كل صباح ومساء، صاروا معروفين لدى سكان منطقة التسوق.
ملاحظات:
1. ريكيشي هو شخصية من مانجا Ashita no Joe المعروف بتدريبه الشديد على فقدان الوزن.
2. استعمل كيوسي هنا مصطلح ジョグ والذي يعني (الركض)، لا أعتقد أنه مصطلح شائع بقدر ジョギング وهذا هو سبب سؤاله.
تعليقات
إرسال تعليق