الفصل الثالث - الجزء الأول

 الأجزاء السابقة هنا


الفصل الثالث

بدأ التدريبات

الجزء الأول

- لم ينهضوا.  

- هذا بديهي.

 

عند اقتراب هيمنة الليل على النهار في الخامسة والنصف صباحًا، أوائل نيسان/أبريل. خرجت تغاريد الطيور المبكرة عن لحنها المعتاد قليلًا، وتلاشى الهدوء على صوت محرك دراجة موزع الصحف النارية على الطريق.

 

كاكيرو وكيوسي كانا الوحيدين الموجودين في حديقة تشيكوسي سو.


- هل كانت حماستهم الليلة الماضية وهمًا يا كاكيرو؟ ألم يقولوا "لن نستسلم حتمًا، سنكرس أجسادنا حتى نصبح نحن الرياح، سنضحي بكل ما نملك ونهدف إلى هاكوني!"؟ 

- لم أقل أيًا من ذلك. كينق-سان هو من أشعل حماسة الجميع.

 

كان متأكدًا من أن جوجي وجوتا رفعا قبضتيهما في الهواء متهللّين مع كينغ، ولكن محال أن يتذكروا ذلك؛ إذ تجرعوا كمية كبيرة من الكحول الليلة الماضية. هذا ما اعتقده كاكيرو لكنه آسرها في نفسه حتى لا يثير استفزاز كيوسي.

 

كيوسي الذي لم يضع تأثير الكحول في الحسبان قد نفد صبره. قال إبان دخوله: سأوقظهم.


اكتسح السماء الشرقية لون وردي شاحب، نظر إليها كاكيرو بينما كان يتمدد. سمع جلجلة - قادمة من تشيكوسي سو - مغرفة أو أداة ما، تضرب قعر القِدر. انسلّ نيرا من تحت الشرفة هربًا من الجلبة، ثم لعب معه كاكيرو لعبة الوسم.


 بيد انتهاء كاكيرو من الإحماء، خرج الجميع يجرهم كيوسي، ووجوههم كانت منتفخة.


- أولًا، سوف نعمل على سرعتنا وقدرتنا على التحمل للتأهل للتصفيات التمهيدية.

 

قالها كيوسي محتدّ النبرة، ولكن أتى الرد بطيئًا؛ إذ لا ينفكّون يترنّحون، كما تترنح الأعشاب البحرية المنجرفة على الشاطئ. شجع كاكيرو جوتا المتمايل بينما كان ينشر أنفاسه التي تفوح برائحة الكحول.

 

تابع كيوسي الحديث غير مبالٍ:

- سنركض مباشرة إلى ضفة نهر تاما هذا الصباح، ثم سنتحقق من مستوى الجميع وعلى أساسه أعدّ الخطة التدريبية.

- ماذا عن الإفطار؟ إنني أتضور جوعًا. سأل جوجي مترددًا.

- تستطيع الأكل بعد الاستيقاظ مباشرة؟ يا للصبا!

 تثاءب نيكو-تشان بصوت عالٍ وهو يحك شعره الأشعث. بجانبه يغط يوكي في النوم واقفًا.

- سنتناول الإفطار بعد التمرين. حان وقت الذهاب الآن.  

 

تجاهل كيوسي مزيج النعاس والجوع والاستياء البادي عليهم.

- سبق أن قلت أننا سنركض للضفة، ولكن أعتقد أنها على بُعد خمسة كيلومترات من هنا. قال اوجي بينما يتغير لونه. هل سنركض عشرة كيلومترات ذهابًا وعودة؟ باكرًا في الصباح؟

- يمكنك الركض على وتيرتك الخاصة. سيكون أمرًا سهلًا.

 

دفع كيوسي حفنة المتذمرين على التحرك، كان كمثل كلب الراعي الذي يراقب قطيعه من مسافة قريبة. أخذ موسى وشيندو زمام المبادرة واتبعوا تعليمات كيوسي، عقدا ذراعيهما بذراع كينق، وهمّ يركض على مضض.

 

- لنذهب. نادى كاكيرو التوأمين. ستؤلمك معدتك إن ركضت بعد الأكل، الركض أسهل عندما تكون جائعًا.  

ربت على ظهر جوجي وحثه للمضي.

 

كان اوجي يلتقط أنفاسه بحلول الوقت الذي وصلوا فيه لطريق الحافلات.

 

 - ربما أستطيع لقياكم على الضفة في غضون ساعتين. دمدم بينما يتقدم بسرعة تعادل سرعة المشي.
 - تقدم يا كاكيرو. لم يستعجل كيوسي اوجي بل راقبه بهدوء. سأكون الأنكور، أما أنت سجّل توقيت وصول الجميع.
- من هو الأنكور؟ سأل موسى.
 - إنه الشخص الذي يبقى في المؤخرة. أجابه شيندو بينما يحرك قدميه كما اعتاد أن يفعل.

 

انتشر الجميع كلٌ وفق قدرته، ثم ما لبث كاكيرو أن انفصل عنهم وبدأ يعدو على وتيرته الخاصة. ذرت الريح صوت أنفاسِ تسعة أشخاصٍ وخطواتهم في لمح البصر.

 

مضت فترة ليست بالقصيرة منذ آخر مرة ركض فيها مع شخص آخر عداه، ولكنه كان وحيدًا في نهاية المطاف. إذ لا يمكن مشاركة السرعة والوتيرة مع أي شخص آخر.

 

إبان ركضهم، أشرقت السماء أكثر فأكثر. معظم المناطق على طريق الضفة كانت سكنية تقريبًا. عبروا خلال رافدَين من روافد نهر تاما وهما سينكاوا ونوقاوا، ثم قطعوا حقلًا كبيرًا، ومروا عبر حي راقٍ على قمة تل صغير، كان مسارًا غنيًا متعدّد التضاريس.

 

كان سدّ النهر مرئيًا من خلف أسطح المنازل، كما يمكن رؤية جبال تانزاوا وجبل فوجي من بعيد لمّا يكون المدى صافيًا، مؤسف أن الجو كان ضبابيًا ذلك الصباح.

 

رنا كاكيرو ببصره إلى الماء راكضًا على السد، وكان الضباب يحاكي حركته مع التيار. لم يرَ إلا عدداً قليل من كبار السن يتمرنون، وأناسًا بصحبة كلابهم منتشرين هنا وهناك على طول النهر. عبر خط أوداكيو جسر السكك الحديدية، السيارات مُترعة بالأشخاص، كلٌ متوجه إلى مسعاه.

 

غلّف الندى خضرة النهر وساهمت أشعة الشمس في انعكاس لمعانه. ركض كاكيرو ذهابًا وإيابًا على طول الضفة، فالتوقف فجأة يعدّ مُضرًّا. سجل توقيتًا بسرعة كيلومتر واحد في ثلاث دقائق ونصف. بالنسبة له، كان ملحوظًا أنها كانت وتيرة بطيئة لمسافة خمسة كيلومترات فقط. على أي حال، لم يصل أحد غيره بعد. فارتحلت عيناه تتنقل بين الطريق وساعته.  

 

وبعد خمس وعشرين دقيقة، وصل التوأمان، شيندو وموسى، يوكي وكينغ أخيرًا إلى النهر. كان كينغ يعاني بينما يلهث، بيد أن الخمسة الآخرين كانوا متماسكين بطريقة ما.

- يبدو أنكم يا رفاق ما تزالون قادرين على الركض. علّق كاكيرو.

- لستُ متأكدًا حيال هذا. ردّ جوتا بينما أبدى اهتمامًا لساعة كاكيرو. لم يسبق لي ركض خمسة كيلومترات من قبل. لم نستطع معرفة مدى سرعتنا أو المسافة التي يسعنا ركضها، لذا اعتقدنا أن الوصول لهنا كان سهلًا.

- إنني جائع. اشتكى جوجي، غير ملاحظ لجمال ندى الصباح وتقصف الأرض عشبًا في مكان قريب حوله.

 

تمدّد يوكي على الضفة الرطبة محاولًا التهام ما تبقى من نومه، وربت موسى وشيندو على ظهر كينغ غير مبالين.

 

بمعجزة ما، قد يصلح هؤلاء الحفنة للركض. فكّر كاكيرو. لا يزالون عديمي الخبرة بالطبع، لكن على الأقل، لا يبدو أنهم كارهون للركض.

 

هل توقع كيوسي كل هذا؟ لدى شيندو وموسى اللياقة الكافية، وبما أن كينغ والتوأمين مارسا كرة القدم؛ يعدّ إدراج الركض ضمن تمارينهم أمرًا بديهيًا، لذلك يبدون معتادين عليه. وكَذا بالنسبة للكندو -الرياضة التي مارسها يوكي- حيث يُدرج ركض المسافات الطويلة ضمن التمارين، لذلك لم يبنِ عضلاتٍ كبيرة، وهذا يجعله مناسبًا لركض مسافات طويلة.

 

ظن كاكيرو أنهم سيتسلمون على الفور، لكن فعليًا، قد تكون لديهم فرصة. غيّر رأيه قليلًا اعتمادًا على الذين أتموا الركض. صحيح أن الأمر من الآن فصاعدًا يعتمد على التدريب، لكن كما قال كيوسي سابقًا؛ لديهم الإمكانات. قال كاكيرو ساخرًا، سأتماشى مع الأمر دون أن أتحمس. لكن مشاعر التعلق بدأت بالتسرب إليه بالفعل. 


 - عليك أن تريح جسدك بعد الركض. هزّ كاكيرو يوكي لينبهه. اركض على مهلك ذهابًا وإيابًا على طول الضفة حتى تنتظم أنفاسك، بعد ذلك قم ببعض تمارين الاستطالة، ثم يمكنك الجلوس وأخذ استراحة.

 

البقاء ساكنًا ليس من طباع كاكيرو، إذ ما زال راغبًا بالركض أكثر هذا الصباح. بعد تعليمهم طريقة التمدد الصحيحة وعهده بساعته لجوتا. قرر العودة ومقابلة بقية الذين لم يصلوا للضفة.

 

قابل نيكو-تشان فور نزوله من الجسر. كان يلتقط أنفاسه، يركض بالكاد بينما غمغم:

- هذا أنت يا كاكيرو! جسدي ثقيل وأشعر بألم في صدري. لا أستطيع الاستمرار.  

 

يبدو أن جسده قد نسي كيفية الركض تمامًا في الوقت الذي انقطع فيه نيكو-تشان عن المضمار.

- أعتقد أنه عليّ أن أقلع عن التدخين أولًا والبدء في اتباع نظام غذائي.  قال نيكو تشان وهو متوجه إلى الضفة.


 

انفصل كاكيرو عنه عائدًا باتجاه الطريق الذي أتى منه. عند سفح المنطقة السكنية على التل، انهار أوجي، كان مستلقيًا كالجثة على الأرض. رأى كيوسي جالسًا القرفصاء، يحمل زجاجة مشروبٍ رياضي، ويعتني بأوجي.

 

-هل وصل الجميع؟ سأل كيوسي وأومأ كاكيرو بالإيجاب.

- لقد مررت بنيكو-تشان للتو.

- بطيء جدًا.

- قال إنه سيقلع عن التدخين ويتبع حمية.

- قرار جيد. ماذا عن البقية؟

- معدلهم كان أقل من خمس دقائق للكيلومتر الواحد.

- ما رأيك بهم؟

- ما يزال هناك مجال للتحسّن. بالنسبة لأشخاصٍ لم يركضوا على محمل الجد إطلاقًا؛ وضعياتهم جيدة ومتوازنة.

 

بدا كيوسي راضيًا. رغم ذلك، كانت هناك مشكلة لم تُحل: أوجي الذي كان جثة هامدة على جانب الطريق.

 

-هل أوجي على ما يرام؟ سأل كاكيرو.

-هل أبدو لك كذلك؟ أجاب أوجي بنفسه. لا أريد حتى أن أقف بعد الآن. احملني إلى آوتاكي يا كاكيرو.

 

لم يكن كاكيرو واثقًا من مقدرته على حمل أشياء ثقيلة، بينما احتار في اختيار كلمات الرفض، أجاب عنه كيوسي قائلًا "لا".

-لا بأس بالمشي، لذا قُم. من المهم أن تُنهي تجربة مسافة الخمسة كيلومترات على قدميك.

 

دُهش كاكيرو إزاء صبر كيوسي. كان يتصرف كالطاغية الذي يستغل سلطته قبيل موافقتهم على المشاركة، حتى أنه ضغط عليهم بأصناف العشاء. وبعد موافقتهم، أصبح يحترم الجميع وقدارتهم، كان يراقب في هدوءٍ الجميع وهم يركضون حتى النهاية، كلٌّ بقوته الخاصة.

 

يختلف هايجي-سان قليلًا عن المدراء والمدربين الذين عرفهم حتى الآن. داهم القلق كاكيرو فجأةً. لم يعِ كاكيرو آنذاك سببه؛ وهي التوقعات التي نبتت في قلبه. وبما أن كاكيرو لم يقابل أبدًا مدربًا يتفق معه، كان يقمع توقعاته دون قصد منه.

 
- ألا يمكنني على الأقل أن أستقل القطار؟
رفض كيوسي اقتراح أوجي دون أن ينبس حرفًا.
- إذا بدأت المشي، جسدك سيرغب في الجري دون أن تشعر. أخبر كاكيرو أوجي. متناسيًا فورًا الرعشة التي سرت فيه.

 

كان هو نفسه سيئًا في التمهل في المشي منذ أن كان طفلًا، كان ينطلق ركضًا بمجرد أن يحرك ساقيه. الوصول لوجهته سيكون أسرع بهذه الطريقة، كما أنه أحبّ شعور انسياب الريح على جلده، وتسارع ضربات قلبه.


- لعلمك، هناك أشخاص يكرهون ممارسة الرياضة. قالها أوجي كما لو أنه يوبخه. وقف على قدميه وعلّق إبان رؤيته لحشرة طائرة: إنها فراشة.

 

استداروا ليتابعوا نظراته، رأوا فراشة كانت مثل بتلات زهرة بيضاء، كادت أن ترفرف بين كيوسي وكاكيرو. في الوقت ذاته، ألقت شمس الصباح جدائلها الذهبية من خلف حافة منزل يقع في زاوية الشارع.

 

لبرهة، وقف الثلاثة يتأملون الفراشة وهي تعبر من خلال حزمة الضوء.


 - لنمشي على مهلنا، سيساعدك هذا على الركض. قال كيوسي موجهًا كلامه لأوجي، وفي نفس الوقت توحي نبرته أنه كان يقصد نفسه من كلامه أيضًا.

 

كفراشة ترقص مع الريح، ركضوا حال ما لمست أقدامهم الأرض. بالنسبة لكاكيرو، كان أمرًا طبيعيًا أكثر من التنفس حتى، إلا أنه استغرب أن الأمر ليس بهذه البساطة للبعض.  

 

أغلب الأشخاص الذين تعامل معهم كاكيرو كانوا ممن لهم علاقة بالمضمار. استحلّ التدريب على جزء كبير من حياته، وكَذا كثير من أصدقائه ومعلميه الذين تعرف عليهم عن طريق هذه الرياضة. وهذا يفسر استغرابه من الأشخاص الذين لا يركضون إلا نادرًا، ويشتكون تعبًا إذا ركضوا ولو قليلًا، ومن أولئك الذين لا يستطيعون العدو بالقدر الذي يريدونه لظروف عديدة، حتى إن رغبوا في الركض.

 

عشت طوال حياتي خاليًا من الأفكار والمشاعر، سرت هذه الأفكار في خلده. نشاط إضافي حيث يجتمع أناس تحت هدف واحد "القدرة على الركض أسرع ولمسافة أكبر" لم يجد بدًا من العيش ضمن هذه العلاقات الخانقة.

 

حفنة من الهواة يطمحون إلى هاكوني إيكدن. تفاجأ كاكيرو منذ بداية صباح أول يوم من التدريب للتحدي المتهور. كان الجميع، ابتداءً من التوأمين اللذين امتلكا القوة الكافية للركض لكنهما ليسا مهتمين به. ثم كيوسي ونيكو-تشان اللذان لا يستطيعان الركض كما يريدون رغم رغبتهما، بسبب إصابة ما أو انقطاع سنوات. انتهاءً بأوجي الذي لم يتمكن من العدو مطلقًا؛ بالرغم من اعتبار العدو نشاطًا أساسيًا لأي حيوان يملك ساقين.

 

العالم أكثر تعقيدًا مما ظننت، ولكنه ليس بالتعقيد المُربك. بينما كان كاكيرو غارقًا في التفكير، طارد بعينيه الفراشة المحلّقة فوق المياه.  



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بأعين نجم

الفصل الثالث - الجزء الثالث

رواية "اركض مع الريح" مترجمة