اركض مع الريح - مقدمة
ملاحظات:
*لوب (8) اسم شارع في طوكيو.
*ايدوكّو: مصطلح يُطلق على الشخص الذي ولد وترعرع في طوكيو، تركتها بلا ترجمة للسبب التالي..
*يامانوتي وشيتاماتشي هما الأسماء المعروفة لمنطقتين في طوكيو: منطقة الطبقة العليا هي يامانوتي والطبقة العاملة هي شيتاماتشي، المنطقتان مقسمتان حسب الأعراف والتقاليد وليست حسب مواقعها الجغرافية.
شيتاماتشي هي الاسم القديم لطوكيو وكانت مركز Edo ، اختلطت المسميات مع مرور الوقت.
الأشخاص الذين ولدوا في شيتاماتشي يطلق عليهم إيدوكو.
*شيكوسي-سو اسم السكن أو الشقة.
مقدمة
الأفق كان صافيًا هذا المساء، حتى في هذا المكان الذي يبعد عشرين دقيقة مشياً على الأقدام عن شارع لوب (8). يصعب على الواحد منا أن يصدق أن إنذارات الضباب الدخاني ما زالت تبثّ حتى في أكثر الصباحات إشراقاً. اتصلت البيوت الصغيرة في الحي السكني ببعضها واصطفت المنارات القائمة على الرصيف وأصدرت ضوءًا خافتًا، الهدوء يعمّ المكان.
بينما يمشي على الطريق الوعرة الضيقة ذات الاتجاه الواحد، مدّ كيوسي هايجي بصره للسماء. لا مقارنة بين هذه السماء وسماء مسقط رأسه، محافظة شيماني، رغم هذا، كانت هنالك حبيبات صغيرة تضيء بخجل.
لو أن شهاباً يسقط. فكر في نفسه، ولكن السماء بقيت ساكنة.
ريح خفيفة تداعب وجهه، اقترب شهر أبريل ولكن الليالي ما زالت باردة. ارتفعت مداخن تسورونيو -الحمام العام الذي اعتاد ارتياده- على الجانب الآخر من أسطح المنازل المنخفضة.
توقف كيوسي عن النظر إلى السماء، حاول إمالة رأسه للأمام وإخفاء ذقنه تحت الكيمونو الذي يرتديه، وهمّ بالإسراع.
عادة ما تكون مياه الحمام العام في طوكيو ساخنة جداً. غطس كيوسي في حوض الاستحمام بعد أن غسل جسده ولم يكد ووقف على الفور. لاحظ فعله هذا سباك عجوز دائم المجيء للمكان وسخر منه.
"هايجي! خرجت من المياه بسرعة كما العادة، ها!"
جلس كيوسي على الكرسي البلاستيكي الصغير في منطقة الاستحمام مجددًا، فالخروج بسرعة هكذا كان أمراً مزعجاً لأنه قام بدفع الرسوم كاملة. نظر إلى المرآة وبدأ بحلاقة ذقنه. مرّ به العجوز من الخلف على مهل وتذمر اثناء دخوله لحوض الاستحمام.
"هنالك مقولة قديمة; بالنسبة لايدوكّو*، تكون درجة حرارة المياه صحيحة عندما تلسع مؤخرتك"
تردّد صوت السبّاك في الغرف المجاورة، لم تكن هناك أي علامة على وجود أشخاص في الحمام النسائي، كان المالك جالساً على الكشك بالخارج يتحرى القادمين وينتزع شعيرات أنفه من الضجر. بيد أنه لا يوجد زبائن غير كيوسي والسباك.
"لطالما اعتقدت أن هذه مقولة ذكية ولكن يساورني بعض الشك إزاءها"
"وما هو؟"
"هذه ليست شيتاماتشي. بل يامانوتي*"
اقترب كيوسي من الحوض بعد أن انتهى من الحلاقة. وبينما كان ينظر للعجوز فتح صنبور المياه وغمر حوض الاستحمام بالماء الدافئ. امتزج الماء الساخن بالبارد، وبعد أن تأكد من درجة الحرارة المناسبة له غمر نفسه في الحوض واستلقى.
"إن كنت تعرف الفرق بين هذان الاثنان هذا يعني أنك اعتدت العيش هنا."
فقد السبّاك الأمل في استعادة السيطرة على الصنبور فحاول تجنب الماء الفاتر بتغيير مكانه.
"لقد مرت أربعة سنوات"
"كيف هي الأوضاع في تشيكوسي سو؟ تبدو ممتلئة هذا العام، صحيح؟"
"لا تزال هنالك غرفة شاغرة ولكن، من يعلم ما سيحدث"
"الامتلاء أمر جيد"
"أجل"
هو كذلك بالفعل، فكر كيوسي. هذه آخر سنة لذا، الفرص العظيمة ستأتي. شخص واحد فقط. ملأ كفيه بالماء وغسل وجهه. أريد شخصاً إضافياً بأي ثمن.
خرجا كيوسي والسبّاك من الحمام العمومي معاً، مشيا على الطريق يجرّ السباك دراجته. لم يشعرا بالبرد إطلاقا والفضل يعود للحمام الساخن. عندما احتار كيوسي هل يقوم بخلع الكيمونو أم لا، سمع أصوات خطى مختلطة وزمجرة قادمة من بعيد.
استدار ورأى هيئة رجلان على الطريق الموازي، أحدهما يصرخ عن شيء ما والآخر يحاول أن يتخلص منه فأخذ يركض بسرعة البرق مقترباً من كيوسي والسبّاك في لمح البصر، بينما يلاحظ كيوسي أن الشخص الذي مرّ بجانبه ليس إلا فتى، تخطاهم على الفور وفرّ هارباً، لحق به صاحب البِقالة بعد فترة استيعاب وجيزة.
الفتى الذي تخطى كيوسي لم ينقطع نفسه على الإطلاق، حاول كيوسي اللحاق به بلا تفكير ولكن صوت السبّاك المُثقل بالعتاب أوقفه.
"هؤلاء اللصوص فظيعون يا رجل!"
أدرك كيوسي أن صاحب البِقالة الذي يحاول يائساً اللحاق بالفتى كان يصرخ "امسكوه!" ولكنه لم يستطِع أن يميّز هذه الكلمات، كان مأخوذاً بالطريقة التي كان يعدو بها الفتى، كان يحرّك قدماه إلى الأمام بقوة، كما الآلة.
انتزع الدراجة من قبضة السباك وصاح "سأستعير هذه!"
ركب الدراجة وأسرع بكل قوته يلحق بالفتى الذي ابتلع الظلام أثره، تاركاَ العجوز مشدوهًا وراءه.
إنه الشخص الذي أبحث عنه منذ وقت طويل… إنه هو.
اشتعلت نار في داخله، إيمان راسخ، كصهارة تزحف للخارج من هوّة مظلمة. على ذلك الطريق الضيق الحالك كان المسار الذي يجري فيه الفتى يضيء، يتألق. كالمجرة التي عبرت سماء الليل، وكما يغوي عبير الأزهار الحشرات، لم يستطِع ألّا يراه.
في سباق مع الريح، أحاطت إضاءة الدراجة بالفتى الراكض، وكلما تسارع كيوسي اهتزت الإضاءة يميناً وشمالاً على ظهر الفتى.
يمتلك توازناً ممتازاً. يحاول بيأس أن يخمد حماسته، يراقب كيوسي عدو الفتى. بدا وكأن محوراً مستقيماً يعبر عاموده الفقري. عضلات أقدامه تمتلك استطالة جيدة. أكتافه لم تكن متصلبة عبثاً، وكاحليه المرنين احتوتا التأثير الناتج عن الهبوط بخفة ومرونة، كان عدوًا مبهرًا.
عندما لاحظ وجود كيوسي استدار الفتى عند ضوء الشارع، رأى كيوسي عندئذ ملامح الفتى التي انبثقت من الليل وأدرك;
آه..
لقد كان أنت؟
خالجه شعور لم يعرف ماهيته، خوف أم ابتهاج؟ توقع بأن شيء ما على وشك أن يبدأ.
زاد من سرعته حتى وصل أخيرا إلى الفتى الراكض. يشبه الأمر تأثير شيء ما آت من بعيد، نداء آتٍ من مكان عميق بداخله يشده إليه. وقبل أن يدرك نطق لسانه بلا إذن منه.
"هل تحب الركض؟"
تجمد الفتى في مكانه وتوقف عن الركض، استدار نحو كيوسي وظهرت على وجهه أمارات الغضب والانزعاج. سكن عيناه الكالحة السواد ضوء نقي يخفي شغفاً شديداً موجهاً السؤال ذاته إليه
ماذا عنك؟ هل تستطيع الإجابة عن هذا السؤال؟
في تلك اللحظة أدرك كيوسي شيئاً ما; إن كان للسعادة والجمال وكل الأشياء الجيدة وجود في هذا العالم، فبالنسبة إلي، ستتخذ هيئة هذا الفتى.
اليقين الراسخ الذي شعر به استمر بإضاءة قلبه لفترة طويلة بعد ذلك. كما يخترق وهج منارة ظلمة بحرٍ عاصف. شعاع ضوءٍ متفرد أنار طريق كيوسي.
بثبات، وبلا كلل.
ملاحظة:
بالنسبة لمقطع هايجي والسباك -حسب فهمي- ربما كان هايجي يتهكم على الأوضاع الاقتصادية بوصف طوكيو "يامانوتي" لكثرة الطبقة العاملة فيها، طوكيو هي شيتاماتشي لذلك وصف السباك الشخص الذي عاش في طوكيو بـ"بالنسبة لايدوكو.."
تعليقات
إرسال تعليق