الفصل الأول - الجزء الثاني

لقراءة الأجزاء السابقة هنا


الفصل الأول 

الجزء الثاني


كان المبنى أقدم مما توقع.

"هايجي سان، أهذا هو المكان؟" 

"أجل، هذه هي تشيكوسي سو، ندعوها 'آوتاكي'. " 

رفع كيوسي رأسه ونظر إليها بفخر، أما كاكيرو فقد ذُهل، هذه المرة الأولى التي يرى فيها مبنىً خشبياً قديماً ولم يكن حتى معلماً ثقافياً.

بدا المبنى الخشبي المهترئ ذو الطابقين آيلاً للسقوط في أي لحظة، يصعب التصديق أن أحداً يسكن هنا، والضوء الشاحب المتسلل من عدة نوافذ كان الأكثر إثارةً للرعب. 

كانت تشيكوسي سو واقعة في المنتصف، بين الجامعة والحمام العمومي. 

يستطيع أي مارّ أن يرى الحي الذي تشاد فيه أبنية حديثة بجانب الحقول التقليدية. بُنيت تشيكوسي سو في تلك المنطقة محاطة بأسوجة من نباتات ورِقة، ليس لها بوابة، يستطيع أي شخص أن يختلس النظر عبر فراغات السياج. 

هنالك باحة أمامية مغطاة بالحصى وفي الخلف يسارًا يوجد بيت من طابق واحد يبدو أنه بيت المالك، لابد من أن السقف كان جديداً لأنه لمع جراء انعكاس ضوء النجوم عليه.

"هناك تسعة غرف، اكتملنا الآن بفضلك"

قاده كيوسي إلى المدخل، كان الباب تقليديًا انزلاقيًا، مزودًا بلوح رقيق من الزجاج، يصدر صريرًا عند تحريكه، انعكس الضوء الخارجي على مظلة الباب الطويلة الضيقة حيث تتجمع الحشرات بداخلها. معتمدًا على ذلك الضوء الخفيف، حاول كاكيرو قراءة اللوح المعلق بجانب المدخل، كُتب عليه بخط خشن وحروف متصلة "تشيكوسي سو" 

ركن كيوسي دراجته، تأبط سلتي الغسيل ووضع يده على الباب.

"سأعرفك على المقيمين كلّ على حدة، الجميع هنا طلاب في كانسي"

دمدم كيوسي وهو يرفع الباب ليفتحه.

"عليك أن تطبق هذه الخدعة لفتح الباب" 

فور دخولهم واجهتهم أرض صلبة، اسمنتية غبِرة، على مقربة منهم وضِعت خزانة أحذية، بيد أنهم يستخدمونها كصندوق بريد أيضاً. كُتبت أرقام الغرف بقلم حبر جاف على ورق اصفرّ إثر حرارة الشمس. ألقى نظرة سريعة على الخزانة، استنتج أن هناك أربعة غرف في الطابق الأول وخمسة غرف في الطابق الثاني. 

السلالم المؤدية للطابق الثاني كانت إلى يمين المدخل، لاحظ أن السلالم الخشبية منحنية ومشوهة دون أن يصعدها حتى، فكر كاكيرو أن صمود المبنى حتى الآن لمعجزة. 

خلع كيوسي صندله الخشبي وحثّ كاكيرو على خلع حذاءه ووضعه في الخزانة رقم '١٠٣'.

"لنصعد الآن"

"هايجي سان، مرحباً بعودتك!"

تفاجأ كاكيرو وجال ببصره حوله باحثاً عن مصدر الصوت، ولكن لا أحد على مقربة منه، قطّب كيوسي حاجبيه في ارتياب.

"هنا، بالأعلى!"

ارتفعت الأصوات المتداخلة مناديةً، نظر الاثنان نحو السقف. لسبب ما، كان هناك ثقب بحجم قبضة اليد في سقف المدخل، وبدا أن هنالك شخص يحاول حشر وجهه من خلاله، عينه تحاول اختلاس النظر، ويبدو انه يضحك ضحكة صفراء.

"جوجي…" همس كيوسي، "ما هذا الثقب؟"

"لقد اختُرقت الأرضية!"

"سأصعد إليك الآن، فانتظر"

كان كيوسي غاضباً ولكنه اتجه نحو السلالم بهدوء، قرر كاكيرو أن يتبعه رغم ارتباكه. أصدرت السلالم صريراً حاداً عندما خطى كاكيرو عليها كأرضيات العندليب الخشبية العتيقة المصممة لتصرّ تحت أخف وزن*. 

صعد كاكيرو السلالم الظلماء بحذر وألقى نظرة على الطابق الثاني، السقف كان أعلى مما توقع، هناك بابان يؤديان إلى المرحاض والحمام بالتعاقب، بجانبهما غرفتين، وعلى الجانب الآخر من الممر ثلاث غرفٍ مواجهة للسلالم. كل الغرف كانت غارقة في صمت مدقع، ولكنه لاحظ تسرب ضوء خفيف من تحت باب الغرفة التي تتوسط الغرف الثلاثة، كُتب على لوحتها '٢٠١'.

اتجه كيوسي نحوها بلا تردد وفتح الباب دون أن يطرق، اختلس كاكيرو النظر من الممر وأمارات التوتر بادية عليه. حجم الغرفة كان يقدّر بعشر حصائر من التاتامي*، هناك طاولة شاي منخفضة تنتصف فراشين من الفوتون كانت متروكة على الأرض، تناثرت حولهما بعض الكتب والخردة. 

وأكثر ما أثار انتباهه كانا صاحبيّ الغرفة، كلاهما يمتلكان الوجه ذاته، كانت نظراتهما متوسلة، توأمان متطابقان لأبعد حد، قارن كاكيرو بين وجهيهما كما لو كان يلعب لعبة 'أوجد الفرق'. 

"أخبرتكما من قبل أن تكونا حذِرين، من منكما فعل ذلك؟"

دمدم كيوسي موبخاً واضعاً يديه على خصره، التوأمان اللذان حرصا على أن يحتشدا معاً تكلما في نفس الوقت.

"أخي هو الذي فعل ذلك!" 

"جوجي هو الذي فعلها!"

"ياللحقارة، رمي اللوم على أخيك الصغير هكذا" 

"ألست أنت من جعل الثقب أكبر؟"

"لقد علقت في الثقب الذي أحدثته أنت!"

حتى نبرات أصواتهم كانت متطابقة. رفع كيوسي يده اليمنى وأمر التوأمين دون أي كلمة أن يخرسا.

"هل انتبهتما على أن المسافة بين الألواح القريبة من المدخل كانت هشة؟" 

كانت أرضية الغرفة ٢٠١ مغطاة بحصائر التاتامي، عدا المنطقة التي كانت فوق الممر تماماً، كانت خشبية. أومأ التوأمان بالتزامن مع توبيخ كيوسي. 

"كنا حذِرَين" 

"كنا نمشي بشكل طبيعي، كلياً، ثم تهشم فجأة!" 

تنهد كيوسي.

"ستصبح الألواح مهلهلة إن مشيتم بأريحية، من اليوم فصاعداً تحركوا بحذر، اتفقنا؟"

أومأ التوأمان مجدداً. جثم كيوسي على ركبتيه وتفحص الفتحة بحذر. 

"امم، هايجي سان…"

نادى أحد التوأمين كيوسي على استحياء. 

"ماذا؟"

"من هذا؟"

شخص الأخوين أبصارهم إلى كاكيرو الذي كان واقفاً صامتاً عند الباب.

"أوه!" قال كيوسي، كما لو أنه تذكر للتو وجود كاكيرو "هذا كوراهارا كاكيرو، طالب سنة أولى سيذهب إلى جامعة كانسي هذا الربيع مثلكما يا رفاق، سيعيش هنا بدءاً من اليوم."

دخل كاكيرو الغرفة ووقف بجانب طاولة الشاي ثم حنى برفق رأسه.

"اعتنوا بي جيداً"

"سعداء بلقائك" قالا في تزامن.

"هذان هما التوأمان جو، الأخ الأكبر يدعى جو تارو والأصغر هو جو جيرو"

أومأ التوأمان بالترتيب الذي عرّف كيوسي بهما. لو غير أحدهما مكانه لما استطاع أحد التفريق بينهما. 

"ادعني جوجي، وأخي جوتا" قال له المدعو جيرو بلطف "الجميع يدعوننا هكذا"

"أتساءل إن كان بإمكاننا استغلال هذا الثقب لشيء ما، ما رأيك يا كاكيرو؟"

تحدث تارو عن الأمر بأريحية. "امممم…" تمتم كاكيرو، كان مسحوراً بالأخوين، وبالطريقة التي تحدثا بها بتعاقب سريع. 

نهض كيوسي من مكانه. "علينا تغطية الثقب بمجلات أو شيء ما" قال بينما يرنو ببصره للثقب "هل أصيبت أقدامكما عندما ثقبتم السقف؟" 

"كلا، إطلاقاً" 

هز التوأمان رأسيهما بالسرعة ذاتها. تهللت تعابيرهما بعد أن هدأ كيوسي. 

أخافهما لهذه الدرجة، فكر كاكيرو، يبدو أن هايجي سان يُعد شخصاً مهماً في تشيكوسي سو. 

تنهد بعمق بينما يفكر في مستقبل العيش مع هذه المجموعة في هذا المبنى القديم، يبدو أنه لا يستطيع الهرب من المجموعات أو الأوامر المزعجة أينما ذهب.

"لم أرِ كاكيرو غرفته بعد. أتوسل إليكما، لا تحطما آوتاكي أكثر من هذا"، دمدم كيوسي قبل أن يخرج مسرعاً من الغرفة، تبِعته نظرات التوأم وهو يرحل.

"قد يبدو المكان خربًا مهترئًا من الوهلة الأولى، وهذه هي الحقيقة!، ولكن إن كنت ستعيش هنا حقاً، فالمكان لطيف وهادئ"

قال كاكيرو للأخوين "ليلة سعيدة" وهمّ يلحق بكيوسي الذي نزل من السلالم.

ومع افتعال التوأمين ضجة كانا محِقّين في قولهما أن تشيكوسي سو يغلفها الصمت. لم يرَ أيّ من المقيمين الآخرين، أليسوا في غرفهم؟ لم يستطِع سماع أي شيء عدا حفيف أوراق الأشجار المنتشرة حول المبنى، أصوات سيارات قادمةٍ من البعيد ورياح الليل الربيعية الدافئة التي انسلت من باب المدخل بلطف حاملة معها عبق الأتربة. 

التقط كاكيرو حقيبته الرياضية التي تركها على الأرضية، غُطي الثقب بمجلة مصورة طُبع على غلافها امرأة ترتدي ملابس سباحة. حُجب الضوء المتسلل من غرفة الأخوين ونتيجة لذلك، بات الممر قاتماً.

ثم أخيراً، استطاع كاكيرو إلقاء نظرة شاملة على الطابق الأول، لم يختلف تصميمه كثيراً عن الطابق الثاني، تابعا طريقهما للأسفل ثم اتجها للخلف من الممر.

بالترتيب من الأقرب للسلالم، كان المطبخ إلى اليسار، تليه الغرفة ١٠١ فالغرفة ٢٠١. كانت غرفة الأخوين تعلو المطبخ ولذلك كان في الطابق الثاني مساحةٌ لغرفة إضافية. يقيم كيوسي في الغرفة ١٠١.

أما بالنسبة للجهة اليمنى من الطابق، لم يختلف تصميمها عن مثيلتها في الطابق الثاني. بجوار السلالم الباب المؤدي للحمام. الغرفتان ١٠٣ و١٠٤ كانتا في الخلف.

كان كاكيرو على وشك عبور الردهة عندما توقف جافلاً، لاحظ حزاماً من دخان كثيف أبيض يتصاعد في نهاية ممر الطابق الأول. 

"هايجي سان، ألا ينشب حريق هناك؟؟"

لم ينمّ أي تعبير عن الاضطراب على ملامح كيوسي بل العكس، لقد حاول شرح الموقف "أوه، هذا…" وفي تلك اللحظة، فُتح باب غرفة ١٠٢ بقوة وخرج منها شخص ما مسرعاً. هيأ كاكيرو نفسه معتقدًا أنه مسرع هكذا بسبب الحريق، ولكن الشخص لم يتجه صوب المدخل حيث يقف كاكيرو و كيوسي، وبدلاً من ذلك طرق باب الغرفة ١٠٤ الذي كان مباشرة مقابل غرفته. 

"هي! نيكو-تشان سينباي!"

استمر بالطرق عدة مرات بقوة كافية لهز بقية أبواب الطابق. في نهاية الأمر، فُتح الباب.

"اخرس يا يوكي" 

شخص ما، ضخم الجسد، خرج بتململ من الباب، غشى الدخان الكثيف عيني كاكيرو، فلم يستطِع الرؤية بوضوح. لم يبدُ أن الرجلين لاحظا وجودهما حيث لم يلبثا أن استهلا نقاشًا حادًا.

"وصلت أدخنة سجائرك لغرفتي"

"ألست سعيداً لأنك تستطيع استنشاق نفحة منه بالمجان؟"

"أنا لا أدخن! على أي حال، الأمر يزعجني، لذا توقف رجاءً!" 

"أنظر، إنه كثيف للغاية"، قال له مقيم الغرفة ١٠٢ بينما لوح بيده ليُبعد عنه الأدخنة. انجرفت المادة السامة البيضاء نحو كاكيرو. تنفس الصعداء بعد أن أيقن أن الرائحة فعلاً مصدرها السجائر.

تصاعدت حدة نقاش الرجلان.

"ماذا عنك؟ تسود موسيقاك السخيفة الصاخبة المبنى الليل بطوله، مجبرًا إياي على الاستماع إليها، أنت تجلب لي الكوابيس" 

"أضع السماعات في الليل" 

"أستطيع سماع هذه الفظاعة بالرغم من ذلك!" 

"هذا المبنى عتيق، لا يمكنني فعل شيء حيال ذلك"

"أنا أيضاً لا أريد أن تتسرب أدخنة سجائري للخارج، أنت تعلم ذلك، كل ما في الأمر أن الباب مركبٌ بشكل سيء"

"حسناً، هذا يكفي"، 

صفق كيوسي يديه بقوة مصوباً انتباه الثنائي المتشاجر نحوه. "توقيت مثالي، دعوني أقدم لكما مقيمنا الجديد" 

عندما توقف الشجار، أصبحت الموسيقا مسموعة أكثر. صوت باس ثقيل وموسيقا إلكترونية. ومع دخان السجائر ناصع البياض، تدفق الإثنان من الغرف بلا نهاية. لم يرد كاكيرو الذهاب إلى هناك، لكن كيوسي أقبل غير مكترث عليهما.

انتظر الرجلان كيوسي والمقيم الجديد، قبضاتهما ما تزال مرفوعة وأفواههما مفتوحة دهشة.

"سينباي، يوكي، هذا كوراهارا كاكيرو، سيسكن الغرفة ١٠٣ من اليوم فصاعداً، يدرس علم الاجتماع في سنته الأولى من الجامعة. كاكيرو; هذا أقدم شخص في تشيكوسي سو يدعى هيراتا أكيهيرو، يناديه الجميع نيكو-تشان سينباي"

"لأنه ملك النيكوتين" 

دمدم المدعو يوكي، قبل أن يتسنى لكيوسي أن يقدمه.

كبح كيوسي جماحه مردفاً "سيصبح نيكو-تشان سينباي في السنة الثالثة بقسم الهندسة هذا الربيع، كان يتقدمني بسنة عندما قدمت لهذا المكان وقبل أن أعلم، أصبح متأخراً بسنة عني"

نيكو تشان، الذي يمتلك هيئة ضخمة كما الدب، أومأ لكاكيرو صامتاً. 

"ستصبح جاري إذاً، سعدتُ بلقائك"

نيكو تشان، الذي يغطي وجهه شعر نامٍ، قصير وخشن، لم يبدُ في الحقيقة كطالب. سأل كاكيرو كيوسي هامساً "أمم، كم سنة يمكنك البقاء في الجامعة؟"

"ثمانية سنوات"

أضاف نيكو-تشان تعقيباً على إجابة كيوسي "مازلت في عامي الخامس"

"بالمناسبة، لقد رسب في امتحانات الدخول مرتين"، قاطعه المدعو يوكي فاقداً صبره.

هذا يعني، عمره ٢٥ سنة؟ استنتج كاكيرو ثم ألقى نظرة على نيكو-تشان الذي ما زال محافظاً على رباطة جأشه بالرغم من كل ما حدث، لم يقاطع الحديث بانفعال أو يرمِ نكتة سخيفة. جزء منه رغب فعلا بتجنب تلويث المكان بدخان السجائر، رغم كل شيء كان يبدو شخصًا سهل المعشر. 

عرّف كيوسي بالشخص الآخر أخيراً.

"هذا إواكورا يوكيهيرو. طالب محاماة في السنة الرابعة، مثلي، ندعوه يوكي. قد لا يبدو كذلك ولكنه اجتاز امتحان المحاماة"

"مرحباً"

حياه يوكي باقتضاب، وكما يوحي اسمه*، بدت بشرته غير صحية، بيضاء مائلة للزراق، هزيل الهيئة ويرتدي النظارات، ملامحه حادة جداً توحي أنه شخص صعب الإرضاء. علي الحذر من فعل أي شيء يكون سبباً في تذمر هذا الرجل. هذا ما دار في خلد كاكيرو.

أخرج نيكو-تشان سيجارة من جيبه متجاهلاً نظرات استنكار يوكي، وأشعلها. 

"بالمناسبة يا هايجي، حدثت جلبة بالأعلى للتو، ما كان ذلك؟" 

"التوأمان، كالمتوقع، أحدثا ثقبًا في الأرضية"

"فعلا ذلك فور قدومهما؟" ضحك يوكي. 

"هذان الإثنان أحمقان" 

عقد يوكي حاجبيه "مع أن أكبر غرفة في آوتاكي كانت من نصيبهما، أليس ذلك بلا معنى إن قاموا بثقب الأرضية؟"

"لطالما كانت الغرف العلوية التي بجانب السلالم خطرة، عليّ أن أفكر بطريقة لتدعيمها"

دمدم كيوسي، وعبس يوكي. 

"برأيي، هذا خطأ الأمير

وبينما يتبادلان الحديث، وقف كاكيرو لا ينبس ببنت شفة مع نيكو-تشان. تمتلك رئتاه سعة مذهلة، استحالت السيجارة رماداً بسرعة هائلة حتى عقبها قبل أن يطفئها.

"كاكيرو"،

 أصابت توقعاته، ناداه باسمه الأول، بلا كُلفة. "استوعبت أمراً مذهلاً للتو"

"ما هو؟"

"أنتم يا رفاق تملكون نفس أسامي شخصيات ذلك الأنمي الرائع!"

"ماذا…"

لا يعلم كاكيرو الكثير عن الأنمي فأجاب باقتضاب، أشار نيكو تشان بالترتيب نحو كيوسي، كاكيرو ثم يوكي، وبين أصابعه سيجارة ثانية.

"واضح أيهم هايجي. كاكيرو هو كوراهارا، لذا فهو كلارا. وأخيراً، الماعز هو يوكي تشان"*

"لا تجعلني ماعزاً من حيث لا أعلم، رجاءً."

"أنا بيتر، و…"

قال نيكو تشان متجاهلاً إياه، مغلقاً الباب وراءه، استشاط يوكي غضباً فضربت قدمه الأرض واستدار متجهاً لغرفته ثم أغلق الباب على نفسه بعنف، لم يتبقّ سوى آثار بقايا الدخان والموسيقا المنتشرة في الممر الداجن.

"امم.."

أوشك كاكيرو المرتبك على أن يتفوه بشيء ما عندما قاطعه كيوسي هازًا كتفيه بلا مبالاة.

"لا تقلق بشأنهم، هما هكذا على الدوام، يبدو أن كليهما أحباك وهذا هو المهم."

أحبوني؟ حقاً؟ ازداد ارتباك كاكيرو أكثر فأكثر ولكنه لازم الصمت، مشى خطوات قليلة نحو الممر، وراقب كيوسي يفتح باب الغرفة ١٠٣.

"حسناً إذاً، هذه هي غرفتك، وهذا هو المفتاح"

أشار كيوسي إلى مفتاحٍ نحاسي ذو رأس مستدير، يتدلى من الجانب الداخلي للباب.

"إن أردت أن توصد الباب، ضع المفتاح في الثقب الداخلي للباب، الأمر سيان من الخارج أيضاً، هذا مزعج للغاية، لذا الجميع يتركون الأبواب مفتوحة عندما يكونون متواجدين في غرفهم"

أخذ كاكيرو المفتاح النحاسي الباهت، كان شكله عتيقاً، كما لو أنه خصص لفتح باب سحري، تآكل بعض طلائه وكان له استدارة دافئة، نتيجة لتناقل أصحاب الغرفة المفتاح يداً ليد لأجيال.

بادر كيوسي بفتح النافذة. سامحاً للرياح أن تسرِ. يقدّر عرض الغرفة بستة من حصائر التاتامي*، وجد خزانة بالداخل، حاول كاكيرو فتحها ليتأكد، لم يجِد آثار الدماء التي كان قلقاً حيالها. كان الجزء الداخلي من الغرفة قديماً ولكنه ظلّ نظيفاً.

"سأخبرك في الغد عن مكان تأجير الفوتون. تحمّل النوم بالبطانية للّيلة. سأحضرها لاحقاً"

"أعتذر عن كل هذا الإزعاج"

"يوجد حمام ومرحاض في كل طابق. توضع مناوبات التنظيف في المطبخ كل شهر، وبما أنك أتيت للتو، ستبدأ مناوبتك في أبريل. بينما أتولى أنا طبخ وجبات الطعام صباحًا ومساءً"

"أنت تطبخ؟ وحدك؟"

"مجرد وجبات خفيفة، كل شخص مسؤول عن وجبة غدائه. إذا كنت لست بحاجة للفطور أو العشاء، اعلمني قبلها بيوم"

سرد كيوسي قوانين تشيكوسي سو بلا توقف.

"أما بالنسبة للاستحمام، يمكنك الذهاب لتسورونيو، المكان قريب من هنا، أو يمكنك استخدام حمام المالك في بيته، ولكن في هذه الحالة، عليك الذهاب ما بين الثامنة مساء والحادية عشرة. لا داعي للحجز مسبقاً أو حتى تنظيفه بعد انتهائك، لأن تنظيف الحمام هواية المالك."

"مفهوم"

أصغى كاكيرو بتركيز شديد لكي يحشو كل هذه القوانين في رأسه.

"ليس هناك حظر تجول أو ما شابه. يمكنك دائماً سؤالي إن التبس عليك أي شيء."

"ماذا عن أوقات الوجبات؟"

"تختلف الأوقات اعتماداً على توقيت المحاضرات لذا يأكل الجميع بأريحية، أغلب الأحيان يكون حوالي الثامنة والنصف صباحاً والسابعة والنصف ليلاً"

"عُلم"

أومأ كاكيرو وحنى رأسه مجدداً قائلاً "اعتنِ بي"

ابتسم كيوسي مجدداً، كان كاكيرو مرتاباً حيال سبب أخذه لتشيكوسي سو، ظنّ أن وراء هذا الفعل دوافع خفية، ولكنه بعد مقابلته لأغلب مقيمي المبنى، كان من الصعب الاستمرار في ريبته. كانوا غريبي الأطوار ولكنهم تقبلوه على الفور، ابتسامة كيوسي كانت متواضعة للغاية، مؤدبة، دون أي ضغط أو إجبار.

وصلت أصوات دق ساعة الحائط من المطبخ إلى مسامعه.

"إنها العاشرة والنصف بالفعل؟"

كم لو أنه تذكر شيئاً ما، رنت عيناه إلى سلتي الغسيل المتروكة في المدخل.

"ما زال في إمكانك استخدام حمام المالك، إن لم تكن مرهقًا، أتود إلقاء نظرة على المنزل الرئيسي؟"

خرج الاثنان من المدخل مجددًا، حثه كيوسي على ارتداء الصندل كما لو أنه من المزعج جداً إخراج الحذاء فردة تلو الأخرى. بيد أن الجميع في تشيكوسي سو يفضلون ارتداء الصندل كلما ساروا في الحي. لفت نظره عدة أزواج من الصنادل ملقاة على عتبة المدخل.

عبروا الحديقة داهسين على الحصى واتجهوا صوب البيت الخشبي ذي الطابق الواحد، المعروف بالمنزل الرئيسي.

على الرغم من أنها تدعى حديقة، إلا أنه لم يكن هناك سوى عدد قليل من الأشجار الكبيرة وارفة الظلال، تنمو بشكل طبيعي بجانب السياج، وبقية المزروعات كانت قصيرة وحادة. المظهر البسيط دلّ على أنها حديقة قيد الإنشاء، وكانت هناك سيارة بيضاء قديمة ذات هيكل خلفي طويل مركونة بطريقة غير صحيحة، ويبدو أنها رُكنت كيفما أراد السائق.

يالها من طريقة لاستغلال قطعة أرض مترفة!

بالرغم من أنه في طوكيو منذ مدة -ربما لأنه استطاع أن يستقر الآن- إلا أنه شعر لأول مرة بعاطفة ما، بالميل تجاه هذه المنطقة.

لطالما اعتقد أن طوكيو مدينة قذرة، قلقة، لا سلام فيها. تنسّم نسيم الليل العليل بعمق. حينها استوعب كاكيرو أمراً ما مثيراً للدهشة؛ الأمر ليس كذلك، حتى في هذا المكان، يعيش الناس بدأب. لا يختلف الأمر عن مسقط رأسه، هنا أيضاً شخص يترزق، ينقّب عن سلواه عن طريق زراعة الأشجار ليحيط بها منزله ويشيد حديقته.

سمع أصوات أنفاس مخلوق متحمس بشكل غريب في غياهب الليل، ربما لأن وقع خطاهم نبهه، لمّا اقترب، رأى كاكيرو أنه لم يكن سوى كلب بني هجين، مندفع إليهم من رواق المنزل الرئيسي بينما يهز ذيله بحماسة.

"نسيت تعريفك بهذا المقيم الهام"

جثم كيوسي على ركبتيه وداعب رأس الكلب.

"هذا كلب المالك، يدعى نيرا"

"ياله من اسم غريب"

جثم كاكيرو على ركبتيه بدوره ونظر إلى أعين الكلب الحالكة، المبلّلة.

"وجده مقيم سابق في آوتاكي" دمدم كيوسي بينما يداعب أذن نيرا "على ما يبدو، الرغد في أوكيناوا هو نيرا.... شيء ما، ماذا كان؟ على أي حال، أصبح هذا اسمه"

"الرغد إذاً...."

كان بالفعل كلباً بوجه جميل خالٍ من الهموم، يبدو الاسم مثالياً له.

"إنه كلب أخرق يحب الجميع، ولكنه لطيف"

داعب كيوسي أذنيه وذيله المستدير لبرهة، وما زال نيرا يظهر عاطفته العميقة تجاههما. داعب كاكيرو رأسه كطريقة لإلقاء التحية عليه، لم يكن نيرا مربوطاً، ولكن، كان حول عنقه طوقًا جميلًا من الجلد الأحمر.

همس كاكيرو للكلب، "إنه يناسبك".

 

 

 

 ملاحظات: 

*Nightingale floors أو uguisubari 鴬張り:
أرضيات العندليب هي أرضيات تُصدر صريراً عند المشي عليها. تم استخدام هذه الأرضيات في ممرات بعض المعابد والقصور، وأشهر مثال على ذلك قلعة نيجو في كيوتو، تستخدم كنظام كشف للمتسللين لهذا استخدمت في هذه الأماكن.

*عشر حصائر من التاتامي = 16.5 متراً مربعاً.
ترجمتها هكذا لأن الحصير لدينا يختلف عن التاتامي; الحصير: طبقة واحدة. خفيف جداً، ينلف زي لف الجلالة.
التاتامي: طبقتين، الطبقة الخارجية ملتفة على الداخلية. ما ينلف، ومحشي بلوح. 

*النيكوتين بالياباني ニコチン or nicochin ، ومن هنا اقتبسوا اسم نيكو-تشان.

*في مقطع رسوب نيكو-تشان لامتحانات الدخول، يوكي ناداه بمصطلح ( نيرو nirou 二浪 ) ويعني الشخص الذي يرسب في الامتحانات مرتين. 

*يحتوي اسم يوكي على كانجي الثلج () ، ومن هنا أتى الوصف، لهيئته من اسمه نصيب. 

*الأنمي الذي اقتبسه نيكو-تشان هو الأنمي الشهير هايدي فتاة المراعي، أما بالنسبة لتشبيهه بشخصيات روايتنا، هايدي ハイジ تنطق Haiji، كلارا クララ تنطق Kurara، يشبه اسم كوراهارا، أما بالنسبة للماعز ヤギ تنطق Yagi ، تهكم على يوكي xD

*ستة حصائر من التاتامي = 10 متر مربع. 

*الفوتون هو الفراش الياباني التقليدي.

وأخيراً، أحاول التقليل من المصطلحات اليابانية "سينباي، تشان، الخ…" ولكن في بعض المواضع تكون جزءاً من القصة. أعتقد أنها مفهومة ولا داعي لشرحها.


1/1! سوبرنوڤا تتمنى لكم سنةً طيبة 🤍

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بأعين نجم

الفصل الثالث - الجزء الثالث

رواية "اركض مع الريح" مترجمة