انحلال الهوامش
في البداية، كان يرى نفسه تمارس حياته اليومية ابتداء من استيقاطه على رنّات منبهه إلى تناوله وجباته متململا، والطريق الذي يسير فيه طويلا حتى يصل لمقر دراسته، اختلاطه المتزيف بالناس ببراعة وابتسامته التي يصطنعها لا إراديًا حتى يختلي بنفسه في المكتبة، على الطاولة المقابلة للنافذة التي تسترق جدائل الشمس الذهبية النظر على ما يقرأ، والكتب التي تحيط به من كل الاتجاهات، هذا الركن هو محطة وقوفه، وذلك الكتاب هو السلام الذي وهبه له سعيه اللامرغوب نحو الحياة، السلام الذي يستحقه.
بعد ذلك، رأى غيث الأشجار التي كانت تزين أطراف الطريق المقابل له تُقطع وتُهمّش، ثم رأى المارّة يزدرونه بنظرة وما لبثوا أن انزووا، أعقبهم تحلّل الأرض وتفتت السماء، خبوت الشمس والقمر وانطفاء النجوم، ثم انحلال العالم. بقي في الوسط على قارعة الطريق، ينظر إلى ذلك الشخص الذي ظهر بغتة، يخطو نحوه على وتيرة ثابتة..
ذلك الشخص الذي أوهمه بالاختلاف، بالنّدرة، بصداقة تشفي الروح وتحيل ذاته التي لطالما كانت على الهامش غارقًا في مشاعر الخجل، واللّوعة، إلى الوسط، إلى السرّة.
نظر إليه بأعين الفضول والتساؤل، بينما سقطت أول دمعة وهو ينبس كلمات الاشتياق، أمطرت السماء.
تساقطت أطرافه واحدة تلو الأخرى.
وفي اليوم التالي، ومرة أخرى، يرى نفسه منكبّا على مشاغل الحياة مسلوبًا الحيلة محرومًا رفاه الاختيار، وقبل عودته للبيت يتوقف عند سفح مرتفع يطلّ على أضواء المدينة وتألق السماء، ثم يرى طريقًا مشعًا نحو السماء وما تلبث الدهشة أن تُرسم -بعد- إلا ويراه يركض، يركض، يركض يركض لاهثًا على هذا الطريق المؤدي للأعالي.
ثم يخبو الضوء من على أطراف الطريق، ويسقط هاويَا كشهاب.
اليوم الذي يليه، ومرة أخرى، تعاوده رؤية نفسه يخوض الحياة بلا هوادة لا لشيء سوى أن يستمر، استمراريته هي دليل وجوده حتى وإن لم يعد "يشعر" بشيء منذ فترة طويلة، محطة وقوفه هذه المرة هي شجرة السنديان التي تتوسط جامعته، رأى نفسه يتأبط كتابًا مبتعدًا عن الجموع متجهًا للشجرة، جلس تحتها مستظلًا بظلها، كانت عملاقة وأوراقها حنونة، تعطي دفئًا حنونًا بدورها.
ثم رأى الأرض تهتز من تحته، تساقطت الأوراق، تساقطت أطرافه، وانقشع.
عاد لحلمه الأول في اليوم التالي، ذلك الركن في تلك المكتبة، وبينما كان يقرأ على ضوء الشمس ودفء المكان والصمت المطبق إلا من أصوات شخصيات الرواية ورأسه.
تسرّب الظل إليه ببطء، وقبل أن يرفع رأسه ويرمي بنظره، سمع طرقًا على النافذة، رفع رأسه ورأى صديقه مرسومًا على وجهه الابتسامة المألوفة ذاتها، ألق عينيه هما ذاتهما لم تخبُتا..
ابتسم بدوره ابتسامة واسعة لم يألفها في نفسه.
أخذ العالم بالتساقط مستثنيًا إياه وصديقه.
رأى نفسه يأخذ بيده ومشيا جنبًا إلى جنب.
لم يستيقظ بعدها أبدًا.
تعليقات
إرسال تعليق