بأعين نجم

حان وقت دورتي اليومية، والمجرة كفّنتها الدجنة كما العادة. صديقي الوحيد المتألق قد خبى منذ عقود، لهذا هو يلمع، لهذا يعمّ ضوؤه أرجاء المجرة. اتخذته صديقًا، فصرتُ فريدًا في الكون.
اصطحبه ليضيء طريقي، عيّنتُ لأراقب كوكبًا معينًا، ذلك الكوكب المصطبغ بلون الماء الذي يملأ المحيطات والبحار، لم أرى أيًّا منهما قط، لُقنت هذه المصطلحات الخاصة بهذا الكوكب، الحيّ الأوحد في كل المجرة، الغارق في كل أنواع الظلمات، رغم اصطباغه بالألوان.


من الذي علمني الأسماء؟


أقترب، أمرّ كشهاب، كنجمة ساقطة، كعابر سبيل لا يراه أحد، لا يلاحظه أحد، لأنني لم أخفت بعد ولهذا لن يصل ضوئي لأي مكان، بعد.

قمري الحزين، شمسي التي تحرق كل من يقترب منها، المركبات الطائرة التي غزتنا واستحلت أوطاننا، أرى البشر بداخلها يطفون، يتغذون على المعلبات والنباتات غريبة الشكل، يؤدون تحية غريبة، والأغرب أن الأرضيون يردونها كل ما مرت المحطة فوق إحدى  القارات، كأنما يربط بين قلوبهم خيط متين لا ينقطع.

مطرٌ مدرارٌ غيّبت حبيباته أناس الغرب، أمطرتهم أسى، سالت الألوان من على وجوههم وابتلت ثيابهم واتسخت، ذوَت ابتساماتهم وتلاشت، الكل يهرول ويشتم، اختبئوا خلف أبوابهم موصدين.

أناخ جدار سميك من الغيوم سماء الشرق المُقيّظة، أحالها ظلامًا بعد أن كانت ضياءً سرمدًا، مطرٌ مدرارٌ أُنزل فسالت أوديةٌ بقدَرِها، على أناس الشرق، فخرجوا من جحورهم، أشرقت وجوههم ورُسمت ابتساماتهم، يرقصون فرحًا حفاة الأقدام، عُراة الأحزان.


أنى لسكان الأرض هذا الاختلاف؟
":لا بدّ أن يتمنى شخص واحد من الأرضيون أن يجدك، أمنية واحدة يسرّ بها أحدهم في قلبه، ستجعلُك تضيء.
: كيف سأشعر بها؟
: حتمًا ستفعل، لأنها الأمنية التي وُلدت من أجلك وحدك."


إنني أقف هنا منذ اليوم الذي قيل لي هذا - منذ وُلدت - أرهف سمعي، أنتظر، أنتظر، وأنتظر.


أقترب أكثر ليسعني أن أرى البشر بوضوح، أرى جمعًا غفيرًا ذابلًا، الحياة الروتينية أحدثت فيهم فراغًا مدوّمًا، رقود عفت أنفسهم صحبة الحياة، أبحث عن أشخاص يرفعون رؤوسهم، مد بصرهم السماء، أشخاص يتأملون في المجهول، ويتمنون المُحال، أبحث عن ذلك الذي ينظر إلي ويتمنى إيجادي.


واحد، اثنان….
أرى شخصان، ينظران إلي.
كلاهما يستطيعان رؤية صديقي الألِق… وأشعر بنظراتهما اليائسة تتوجهان نحوي.


كلاهما، ملأ الحزن أعينهما حتى سال.


أنظر إلى أعلى بدوري، وأدعو. أدعو.
بقبسٍ من نور، ينير لهما طريقًا، يدلهما لبعضهما.


استُجيبت صلواتي.
وفي لحظة سحرية، تقابلا. فأزهرا.
كأزهار النرجس الصفراء، الكثير الكثير من النرجس، عبقا شذى خافت من الإشراق، السعادة، والحب.


أعشى سطوعهم عيني، قرّت لرؤياهم، واختلج صدري بكثير من المشاعر الدافئة.
وددت لو يستمر هذا طويلًا.
لكنه استمر حتى نهاية اليوم فحسب.


اختلاف التوقيت هو كابوسنا الأزلي، حُرّم علينا التعلق بأحد من سكان البشر لهذا السبب، لأننا سنعود ممزقين في الأثير، منكسري الأجنحة. قيل لنا أنها رقية، لكني أعجز عن نعتها إلا باللعنة.


سويعات هنا وسنون هناك، رأيتُ أحدًا منهما يذوي ويخفت أولًا، تمنى أمنية دوت في صدري كالرعد.


" تستطيع رغم ظلام الليل رؤية النجوم بوضوح، وددت لو أكون نجمة، كي أظل لجانبك للأبد."


ثم يخبت الآخر في هدأة الفجر.


أنظر إلى صديقي الذي لم تفارق يداه يداي، وأحيل أنا بدوري، إلى ضياء.

تعليقات

  1. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفصل الثالث - الجزء الثالث

رواية "اركض مع الريح" مترجمة