اسم.
كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، نجمان تحابا وأنجبا طفلين كالملاك، وعوقبا على حبهما من قِبل أهل السماء
تفرقا بين السماء والأرض
ولما أشفقت السماء عليهما، سمحت لهما بالإلتقاء في اليوم السابع من الشهر السابع
يلتقيان عندما يعبران الجسر اللبني
في كل عام مرة، في اليوم السابع من الشهر السابع
إلا عند هطول المطر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تشهد القرية الواقعة على ضواحي المدينة التي لا تنام أضواء راقصة على بعد أميال عديدة أمامها، ومن فوقها ثقوبًا تخترق السماء منيرةً، أضواء لا يُعرف هيتها، فأضاءوا القرية المطوية في الظلمات.
تنعم هذه القرية بحلول الفصول الأربعة عليها بلا تأخير، تتمخض بالحياة، غنية بثروات الطبيعة، سكانها قليلون متفاوتون في الأعمار أكبر أطفالها كانا توأمًا يبلغان عشرة أعوام.
في سنة من السنوات، طال موسم الشتاء والأمطار فهلكت المحاصيل وتلبدت السماء بالغيوم وشحّت الألوان من على الأرض ومن على وجوه سكانها.
تذمر الفلاحون وتوجّعوا لحالهم، اعتكفوا منازلهم واحتموا تحت أسقفها وتأملوا أضواء المدينة الراقصة من خلال نوافذهم الصغيرة فزاد حنقهم ويأسهم.
"هل يبكي غيث يا أبي؟"
أمسكت الصغيرة بطرف قميص أبيها ونظرت به بأعين التساؤل البريئة، ترسّم على محياها حزنٌ لا يلائم وجهها الملائكي.
: "لا على الإطلاق! إنه بخير وبأحسن حال! كيف خطرت على بالك هذه الفكرة؟" قبض بيديه على معصميها، حاول أن يلملم تعابير توجسه وأن يحتويها بنظراته الحنونة.
أشاحت بوجهها عنه ونبست: "لأنه غيث."
قبل عشر سنوات، وقع الفلاح في حب فتاة قدمت للقرية كزائرة، مكثت عدة أشهر تزاور البيوت وتستمع لقصص الكبار، لتكتب عنها فيما بعد. كانت فائقة الجمال، حيوية وذات صوت غناءٍ رنيم، أحبها جميع من في القرية لاسيما الأطفال.
وفلاحنا العاشق.. كان عاديًا. قدم لها حجر تعبيرًا عن حبه.
مكثت أيامًا تحتقره وتغتاظ منه وتعبس في وجهه بسبب هذا الحجر.
لما أزف الوقت أسرعت إليه بعد اكتشافها مكنونات الحجر، كان بداخله الفضاء، مستعرًا أعظما.
تزوجا رغم اعتراض الجميع، وأنجبا توأمًا.
وبعد مرور سبع سنوات، انفصل الزوجان وأخذ كل واحد منهما طفلًا، بقيت الفتاة في المدينة ورحل الفتى مع والدته لمدينة بعيدة.
"تمطر السماء لبكاء غيث"
كان المطر هو العلامة الوحيدة التي تستدل بها الفتاة على حال أخيها.
- بعد سبع سنوات -
جدائل الشمس الذهبية تخترق نافذة غرفته المطلة على أرض هامدة، تململ في سريره لدقائق قبل أن يفتح عينيه ويلقي بنظرة متأملة يشوبها حزن قاتم على الخواء.
هم بالخروج قاصدًا عمله، وما أن استقبله الفضاء حتى شعر بالريح الحارقة تلفح وجهه والشمس لا تزال في كبد السماء، لطالما أحب الشمس، ضياءه العظيمة، وكلما اشتدت حرارتها ازداد يقينه باعتقاده، أن الشمس دافئة بطبيعتها لكنها تحبنا لدرجة أنها لا تستطيع التحكم بهذا الحب فاحترقت.
"ضي، أتساءل ما حالك." رفع رأسه ووجه سؤاله هذا نحو الشمس.
كانت الشمس هي العلامة الوحيدة التي يستدل بها الفتى عن حال أخته.
يعيش غيث في منزل صغير يقع في أطراف المدينة، فنائه يطل على حدودها ومخرج المنزل على الطريق الفرعي لمركز المدينة. والسبب في اختياره لهذا المكان بعد ترك منزل والدته المريح هو هدفه الأوحد، البحث عن توأمه.
كانت مساعيه بسيطة ولكن ليست باليسيرة، يعمل من قبل دلوك الشمس إلى غسق الليل ليجمع المال الكافي ليرتحل. لم يكن هذا ما يبتغيه إبان تركه ليد توأمه، كان يعلم يقينًا أن عليه تقبل أن طريقهما متوازيان ولن يتقاطعا، وأن عليهما الإعتياد على فراق بعضهما البعض والعيش بدون أحدهما الآخر.
لم يستطِع.
رائحة الذكرى طاردته في كل الأماكن وكل الأشخاص.. لا نسيان يجدي معها ولا تناسي، إن كل يوم يجلب معه الصراع نفسه، الخواء نفسه، الرغبة في النسيان وعدم النسيان، تخبط في المعاناة طوال السنتين المنصرمتين، تداهمه الكوابيس ليلًا ونوبات الإكتئاب نهارًا، كان دائم البحث عن شيء ما، لم يتملك أي شيء ولم يستطِع الحفاظ على أي شيء قط، بمن فيهم والدته، ونفسه.
أيقن أنه لن يكون ذاته إلا معها. أنها لعنته، وأنها نصفه الثاني.
جمع مالًا كافيًا، قصد الصحراء باحثًا عن ضالته، كان طريقه موحشًا وعرًا، ليله مدلهمٌ يتلحفه البرد من كل مكان، ونهاره عتيدٌ شديدٌ، يتأجج نارًا. ثلاثة أيام في كل قرية يتزود بما يحتاجه ثم يستأنف المسير، يضع عند كل قرية يتوقف عندها حجرًا، هو ذاته الذي أهداه والده أمه، لعلها بهذا تهتدي إليه إن لم يفعل.
عامًا بعد عام…
تتلاشى آماله كما تتلاشى الثلوج.
يعود غيث من حيث أتى خالي الوفاض مطأطئ الرأس، كبُر الفراغ في قلبه مع كل خيبة تلقاها، وانهمرت حبات المطر كخيوط حريرية فضية تربط بين قلبه وبين السماء. لأنه، لم يعد قادرًا على البكاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطريق الذي سعى فيه هو الجسر الذي يربط بين عالمي الجنة والأرض، كونتها خطوات غيث المحفورة على الرمال.
والأحجار التي تركها خلفه هي عنقود الثريا، وهي التي تدل على موسم الأمطار. وبجهوده الحثة تمكنا أنا ووالدك وأختك من اللقاء مرة كل عام، وبالتنبؤ بهطول المطر.
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
ردحذف