نوف عن الإكتئاب، والبحث عن الذات وسط حطام الروح.

"إني لأدرك حق الإدراك مدى الألم الذي لا بد أن يكون قد أحدثه هذا كله في نفس إنسان مثلك، إنسان ترهقه الحياة لكنه شديد الكبرياء". - دوستويفسكي.


أهلًا يا رفاق~
وبعد هرب طويل طويل طويييل، وبعدما أيقنت أن هذا الهرب هو الذي يحول بيني وبين أمور عديدة في حياتي، وهو ما جعلني عالقة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. قررت أن أشد أزري، وأتحدث عن تجربتي مع الإكتئاب.
أولًا، لم أكن لأقدم على هذه الخطوة لولا يقيني التام من التخطي والشفاء منه، على الصعيد المعنوي وليس الفعلي، فهذا يحتاج للكثير من العمل.

يوم من ألف يوم

للتنويه فقط، كتبت هذه قبل مدة وجيزة، عن يوم من أيامي مع الإكتئاب، أشاركها لأن ما سأكتبه الآن أشبه بمقالة -تبًا للمقالات- ولن يكون أسلوبي أدبيًا، لن أفكر حتى، فليكن ما يكون.


يلا بسم الله
سأبدأ بالتحدث عن نوف السابقة، ذات السابعة عشر ربيعًا، أو لنقل، نوف التي لطالما كانت هي.
شخصية مسؤولة، جيدة في التعامل مع المشكلات، حياتها ليست طبيعية على الإطلاق،كل مرة تحدث فيها مصيبة ما تستطيع أن تلم بزمام الأمور، وسرعان ما تتخطى الأمور.
ليست من صنف الأذكياء بل من المجتهدين وكانت تتباهى بأنه لا يوجد شيء لا تستطيع فعله -ببذل المجهود- ، طوال الوقت، وكان هذا صحيحًا، لم تخسر تحدّيًا قط، ولم تخيبها مجهوداتها قط.
حالمة، مخططة بارعة، -كانت تخطط ليومها بالدقيقة وتنجح في تنفيذ كل مخططاتها حرفًا-، مثالياتها ومبادئها كانت عتيدة صعبة، لم تلقِ بالًا لمشاعرها ولم تهتم لهم قط، كل ما تفعله وتعيش من أجله وكل تركيزها كان يصب على هدف واحد فقط، مستقبل مشرّف. يليق بها وبكبريائها.
بالعودة للمرحلة الثانوية، كنت أعلم أن ما أبتغيه لن يكون لي، كنت أعلم هذا يقينًا، لكنني لم أستسلم، أو بالأحرى لم أستطِع! تابعت المسير لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
ملئى بالشك والحيرة وعدم اليقين، حدث ما كنت أخشاه على الدوام، خسرت حلمي في صيف آخر سنة من الثانوية، وكان عليّ في هذا الصيف أن أختار أي مسار أسلكه في الجامعة، فكنت أغرق، ببطئ شديد.
تدخل الجميع عداي، صنفوني وصنفني النظام والمجتمع بحكم درجاتي العالية، جربي الطب! كيف لم تفكري به قط؟ هيا! عائلتنا لم تحظى بطبيب واحد وأنتِ الوحيدة الجديرة بهذا العبء!
كنت أعامل باحتقار وانا صغيرة، فوصلت لهذا المكان آملة أن أحظى باحترام الجميع، حظيت به، فلم أرد أن أخيبهم، لا، لم يكن هذا الخيار متاحًا، ليس هنا، ليس هنا.
علاوة على ذلك، كنت حزينة -لا مكتئبة- لم أرد أن اختار طريقًا بلا صديقاتي، فلحقت بهم إلى المسار الطبي.
عزيتُ نفسي بفكرة أنني لستُ أنا التي فشلت في الوصول لذلك الهدف، بل الظروف، الظروف مرة أخرى.


السنة التحضيرية كانت صعبة، صعبة جدًا، مواد جديدة، أساتذة من جميع الأجناس لا نفقه منهم حديثًا، دفعة دوافير، مصير مجهول، قلق، قلق، قلق.
ولكنها كانت أجمل سنة في حياتي، للأمانة، كانت ممتعة متعة عظيمة.
حظيت بفضل الله في الفصل الأول بمعدل كامل، أذكر أنني بكيت من الفرح عندما حصلت على ال+A في البايوكيمستري :p
كان هذا آخر إنجاز أحظى به
آخر فرحة.


استنزفت كل طاقتي في هذا الإنجاز، النصف الثاني كان كارثة.
خسرت للمرة الثانية
وهذه المرة أنا التي فشلت، لا شأن للظروف.
لم أستطِع تحمل الفشل والخسارة.


بدأ الإكتئاب من هنا، صيف سنتي الأولى في الجامعة، كان كالجحيم.
خيبة، انكسار، فقدان للثقة، لم أستطِع تقبل نفسي.
أعتقد أن ما بدأ الاكتئاب هو نُواحي كل يوم على سطح المنزل، كنت أبكي بكل ما أملك من خلايا حية حتى أنام.
لم أُقبل في أول رغبة لي كما توقعت~
وبدأت كوميديتي السوداء في تقبل مصيري.
كل أيامي في تخصصي كان جحيمًا، بلا استثناء، لم أستطع أن أجد نفسي فيه، ولا انتمائي، لأول مرة أكره علمًا، وأكره أشخاصًا لم تربطني بهم أي صلة وأشتمهم في كل وقت وزمان وأحتقرهم احتقارًا عظيمًا.
الصباح، الاستيقاظ، الأكل والاستحمام وارتداء ثيابي والخروج من الباب حتى عتبة المنزل، كالجحيم!
الشمس والطريق والناس والمشي والمحاضرات، الاستماع والانتباه والتركيز والتفاعل، كان كل شيء صعبا ومرهقا جدًا.
كنت أدخل للكافتيريا وأتعجب أن هنالك أناس يأكلون فعلا.
فقدت شعوري بكل شيء، كنت كالجثة الحية! إن كنتم تعتقدون أن هذا التعبير الأدبي مبالغ فيه، فلا. إن شيء كهذا موجود حقًا.


بالطبع، لم أشعر هكذا طوال الأيام، فقط عندما تعاودني نوبات الاكتئاب؟ -أعتقد أن هذا المصطلح العلمي الذي لم أعترف به يومًا-
الأيام العادية كانت تمضي بهدوء وبلا شعور، خواء وحسب.


كنت أستطيع أن أشعر بالسعادة بمجرد أن أرفع رأسي وأستشعر احتواء السماء لي.
كنت أسعد من رؤية صديقاتي، ومن ابتسامة أبي، ومن تذوق طعام لذيذ.
كنت بسيطة لهذه الدرجة…
كيف آل الوضع إلى هذا؟
فقدت نفسي، لم أعد أعرف من أنا.


طوال ثلاث سنوات، كنت أظن أنني حزينة فقط وأنني لا أزال متأثرة فقط بعقدي، كالإلتفات للماضي الخ…
وكنت أحاول النهوض، وأفشل، أحاول، أفشل، أحاول وأفشل.
كل المحاولات ذرتها الرياح.
حتى محاولات الإنتحار.
لمت نفسي، احتقرتها احتقارًا عظيمًا.


كان الأمر سيهون لو أنني أسلمتُ بفكرة أنني مريضة بالإكتئاب، لكنني هربت منها لا لخوفي منها، بل لأنني كنت أعلم أن لا رجاء من المعرفة، لست في وضع يسمح لي بالعلاج، إلا أنني الآن نادمة حقًا، المعرفة وحدها كانت ستخفف عني لوم نفسي عالأقل، كان سيكون الأمر أخف وطئًا عليّ لو أنني ألقيت بجلّ اللوم واللعنات على الإكتئاب.


الأمور التي كانت تودي بي لانتكاسة هي قصر النظر والتوهمات الخاطئة، هما أول ما تجدونه في شخص مكتئب، أفكار كـ "لا أحد يحبني، لا أحد سيهتم إن اختفيت، الحياة ستنتهي على أي حال، الخ…."
وكنت أفكر بفلسفة الموت والحياة والظلم والكراهية الخ… أفكار لا أحد يتوقف عندها بالعادة فما بالكم بالتأثر بها تأثرًا عظيما؟
ثم، لوم الناس وعتابهم لي -أعلم أنها نابعة من حبهم لي- لكنها كانت ذات تأثير جحيمي.
ليش صرتي كذا؟ يعني لو كنت أعرف ليش صرت كذا بصير كذا؟
أنا لم أختر أن أكون هكذا!
وثم، فقد الإيمان بالله… لا تستغربوا من شخص مكتئب أن يقول كلامًا كـ "لا وجود الرب، لستُ مؤمنًا، الخ…"
عندما لا تشعر لمدة طويلة،وتعاني لمدة طويلة تفقد الإيمان… هذا أمر طبيعي.
ليس الاكتئاب كالحزن العادي، الحزن يقربك من الله، الإكتئاب يؤدي لاستحقار النفس والذي يؤدي بالتالي لفكرة "لا أستحق رحمة الله" وهذه الفكرة تؤدي مع الوقت لفقد الايمان التام.
لا أعلم إن كنت وفقت في شرح الفكرة أم لا، لكن، الأمر معقد جدًا، وكل شخص وصراعه.
كنت أظن أني سقطت في الهاوية لأن أفكارًا كهذه راودتني.
صدقوني، كنت شخصًا صالحًا، وتوقفت عن الدعاء.
فلا تحكموا على الشخص المكتئب من منظور الدين، رجاءًا.
إضافة أخرى، لم أعد أستطيع أن أكتب، كانت الكتابة تفاقم من شعوري، فتوقفت.


وأما بالنسبة للأمور التي كانت تُعالجني - ليس علاجًا بالمعنى الحرفي- لم تشعرني بالسعادة بقدر ما أشعرتني بالإنتماء والتضامن.
أصدقائي، وأخص بالذكر صديقتي رِناد، -أحبكم كلكم والله نو أوفنس بس هي غير- التي كانت تستمع لي دائمًا، لم تهون عليّ، كانت تعلم أن المواساة تزيد عذابي.
كلما أخبرتها برغبتي بالإنتحار كانت ترد علي "let's do a double suicide"
تختفي الرغبة هاربة بسرعة حينما أفكر أنني سأتركها ورائي، لا أستطيع أن أفعل بكِ هذا… ليس أنتِ.
رين، شكرًا على كل شيء.
-دمووع-


مثال على الرسائل~



أما الشيء الآخر، الأدب.
عزز الإكتئاب حبي للأدب، أضحى الأدب لي حلمًا لا هواية.
فاروق جويدة، هيرمان هسه، فرانز كافكا، ايميلي دكنسون، أوسامو دازاي، الخ… القائمة تطول.
ليس فقط الأدب، كل القصص وكل الكلمات التي التجأت إليها كطريقة للهروب واحتوتني، أنا ممتنة.
الإقتباس الذي كنت أردده كل يوم تقريبًا لا إراديًا هي مقدمة رواية دميان:
"لم أكن أريد إلا أن أعيش وفق الدوافع التي تنبع من نفسي الحقيقية، فلمَ كان ذلك بهذه الصعوبة؟"
و
"لم أكن خائفًا مما قد يحدث غدًا بقدر ما كنت خائفًا من اليقين المرعب من أن طريقي، من الآن فصاعدًا، سيقودني أعمق فأعمق في عالم الظلمة."


ولا أنسى الأنمي طبعا :p
هذه الهوايات التي كانت في السابق مجرد طرق لتمضية الوقت والمتعة، كانوا سببًا أعيش لأجله.


ولكل الأصدقاء في تويتر، أنتم كالسحر!


أنا ممتنة.


ختامًا
تجربتي مختلفة، لكنها ليست نادرة؟ أعني، لم أعرف أنني مصابة بالإكتئاب إلا بعد انتهائي منه.. وهذا سبب المدة الطويلة، ثلاث سنوات، لا أعلم كيف سأعوض عنهم. فات الأوان على هذا أصلا ولا أهتم.
الإكتئاب ليس آفة، ليس عيبًا ليس تابووو ولا كائن فضائي ولا جني، ليس إلا مجرد مرض كالزكام أو الحمى، النفس تهِن وتتألم كما يهن الجسد.
سنحتاج لقرون ضوئية حتى نستطيع استيعاب هذا.


كنت موقنة بأن كل هذا كان جزءًا مني، لن يختفي، ولن تتحسن الأمور مطلقًا.
لن أعود كما كنت، لن يتغير مفهومي عن السعادة لأنني لم أعد أشعر به، أنّى لي أن أؤمن بشيء لا أشعر به؟
التكيف أيسر، لا يوجد خيار عدا التقبل!


عدت، فُرجت، مضت.

شكرًا لله لأني على قيد الحياة...


أنا الآن أنضج، أوعى، ولديّ المفاهيم اللازمة للاستمرار في الحياة.


أؤمن بأن كل إنسان سيمر بفترة عصيبة، ليس شرطًا أن يكون اكتئابًا، أي فترة صعبة هي حتمية وضرورية للمرء ليكتسب المفاهيم اللازمة أو يتخلص من بعضها، استعدادًا للمرحلة القادمة.

هل أكره الإكتئاب؟ لا.
سأتذكره بابتسامة 
يتغذى الإكتئاب على من ينكره ويكرهه، فيكبر في داخله. وسيعاود كل من يفكر بهذا!

لست نادمة على أي شيء في حياتي، وإن حدث وعدت للمهد وخُيّرت بين حياتي هذه وحياة أخرى، أفضل؟
سأختار هذه حتمًا.
هذا ما أنا عليه
بشقائي وسعادتي.


 "لا عليك، لا بأس عليك." - نوف.

i am no hero

تعليقات

  1. شكرا نوف لكتابتك عن تجربتك، تدوينات شخصية مثل تدوينتك تساعد الآخرين أكثر على التفهم ومعرفة وتقبل كون الاكتئاب مرض حيوي حقيقي يحتاج لعلاج وأن النصائح المنفصلة عن حقيقة المرض والعتاب واللوم والرفض ما تساعد المكتئب وإنما ممكن تزيد من معاناته، أتذكر أحدهم كان يتكلم عن كيف أن التسمية لهذا المرض بالاكتئاب بمعناها المزدوج - بدلا من اختيار مصطلح طبي مختلف - قد توهم الآخر أو المريض نفسه بأنها مجرد نوبات حزن ممكن المواساة والكلمات تخفف عنها، لكن أظن خلاف بقية الأمراض أن الآخرين ممكن يشعرون بالمسؤولية وبالذنب لعجزهم عن مساعدة المكتئب لذلك يلجأون للكلمات والأفعال البسيطة.

    سعيدة لأنك تجاوزتي كل ذلك، أتمنى أنك ما تمرين بهذه المعاناة مرة أخرى أو أي شخص قريب منك أو أي شخص على الإطلاق، وأتمنى أنك تستشعرين السعادة في كل المتع والتفاصيل البسيطة وتكونين ممتنة دائما لحياتك.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بأعين نجم

الفصل الثالث - الجزء الثالث

رواية "اركض مع الريح" مترجمة