شركاء متشاكسون
أولًا الإزدراء
ثم التحسر
هذا كل ما أراه
أو بالأحرى، هذا كل ما أحاول أن أراه.
يراودني حلم كل ليلة، أنني حبيس مقيد بقيود من حديد، أصرخ بالسؤال ذاته؛ "أين أنا؟" ، أقاوم يائسًا، ومن دون وعي أصرخ كما في السنين البعيدة في واقعي البعيد، أسمع ركضًا وصراخًا ثم خبطات مرعبة تصدر من داخلي، خوار فظيع يملأ الفضاء، فضائي ذا الحيز الضئيل، اجتاح الرعب عقلي، عرق بارد كالصقيع بلّل جسدي وأتجمد كما يحدث في الكوابيس، مدركًا أنني قد لا أخرج من هنا، بدا لي الموت كقاب قوسين أو أدنى، وعندما أغرق في يأسٍ مستميت أرى يدان تُمَدّان نحوي كما النور، تمسحان عني ظلمة، وتزرعان بداخلي أملا... وينقطع الحلمَ.
لا يختلف الحلم عمّا أشعر به حقًا باستثناء اليدان وانبجاس النور، وتمسكي المضني بالحياة، سأرحب بالموت أو بأي شيء يخلصني ممّا أنا فيه، كل شيء يقتلني ويودي بي إلى صراع مرهق، رؤية الناس تجعلني أشعر بالإشمئزاز من نفسي، أنا كالهشيمة، أرى الحياة من نظرة واحدة، قاتم، مغرق في الدجى.
عاودني النوم مجددًا ولم ينتظر ريثما أفرغ من الانتهاء من تنظيف عقلي من كل هذه الترهات، ها أنا في حلم مرة أخرى، أقطع طريقًا مظلمًا محاطًا باللاشيء، تزداد سرعتي مع كل خطوة أخطوها، أوه يا إلهي إنني من أركض! إلى أين؟ هل من مآل؟ ألهث وأصرخ رغم عدم وجود من يلاحقني، أشعر أن صدري يتأجج نارًا بداخلي، هذا كابوس وليس حلما، المضي المضني نحو اللاشيء هو التجسد الحقيقي للخوف.
توقف الوقت للحظة، وكذا أنا، تبددت مخاوفي عندما عمّ الضياء كل الأرجاء، لا لم يكن النور هو من استبد بل الظلام هو من تلاشى، أيعقل أن تكون هذه نتيجة ركضي؟ لم تخطر ببالي فكرة لطيفة كهذه منذ مدة.
وجدتُ بمحاذاة عيني شخصان، الفارق بينهما مهول، أحدهما يرتدي ثيابًا بالية، عبوس قمطرير قد أرهقت الحياة ملامح وجهه فبهتت تعابيره، أما الآخر فكان يرتدي الحرير يحمل في يده بوصلة ذهبية، انتابني الفضول، لم يكن هناك إلا ثلاثتنا والضياء برفقتنا، اتجهتُ نحوهم وأوجسَت في نفسي خيفة، تقدمت نحو ذلك النرجسي أولًا
- من أنت؟
: يا للإجحاف؛ فكر قليلًا، إننا في حلم من صنعك، من سأكون غيرك؟ أنا الذي لاحق طيفك باستمرار وبلا كلل، أنا الذي جعلك تقف على أطلال الماضي وتنشد نشيد رثائك.
انكشف الستار عن سلسلة ذكرياتي المتكومة، ألم حاد اجتاح رأسي، لم أتوقع أن استرداد ما عزمت على دفنه عميقا سيكون بهذا الألم...
وبينما أقف في صدمة، قام ذو الخرقة البالية بتقديم نفسه بوقاحة دون أن أطلب منه، أريد ارتشاف ما سمعت حتى استطيع استيعابه، حقا، ما بال هذا الكابوس؟؟؟
- وأنا حاضرك الذي تستلذ به رغم رفضك الدائم لي، ورغم تأصل وجودي بك إلا أنك لم تكف عن الإعراض عني ولم تعترف بي وظللت تزدريني حتى ازدريت نفسك.
ابتسامة متوحشة ارتسمت على وجهه، ابتسمت بدوري:
- لقد أتيحت لي الفرصة أخيرًا أن أقضي بينكما، هلا أرفقتم بي ولننهي هذا الصراع الأزلي؟
لم تكن ردة فعلهما كما توقعت، لم أفقد عقلي بعد لذا اعتقد بأنهما، حزينان؟ استبد الحزن بهما حتى اكفهرت وجوههما.
: لم نتصارع لأننا أردناك أن تعاني، ما نحن إلا تجسيد لرغباتك المدفونة، وأحلامك التي استأصلتها وقطرات دموعك التي ذرفتها في الضراء والسراء، لن يفوز أحد عداك، أنت الفائز إن أخذت بيد كل منا، أناك الذي تفتخر به، وأناك الذي ربت على رأسك عندما لم يلتفت لك أحد.
استغلنا، نحو طريق ولادة ذاتك الجديدة.
شعرت بقطرة ماء تنسال على وجنتي، لم أبكي منذ وقت طويل حتى نسيت طعم الدموع، او ربما تناسيت، لقد جعلت على قلبي كِنانا، وعلى آذاني وقرًا، وعلى بصري غشاوة. كلاهما؛ اتحدا وتحولا إلى نجمة ساطعة.
"سننير لك دربك، فلا تبتئس"
كانت هذه كلمات وداع، وقبس من نور ينير درب أناي القادمة.
تعليقات
إرسال تعليق