-XX

51213
اخترقت أشعة الشمس نافذة غرفته, استيقظ بهمة عالية نحو يوم جديد, آملا أن يخطو خطوة نحو مبتغاه المنشود مستغلًا أحداث يومه, بزهاء وجنتيه المتبسمتان قابل العالمَ. 



51217
حجبت ستائر النافذة الثقيلة أشعة الشمس, ترك ما كان يشغله الليل بطوله واستلقى رغبة في النوم, ربّ عيناه قد غمضتا إلا أن هواجسه لم تهدأ قط, تربصت به من كل الجوانب, ليست بكائن, ظلال سوداء وهالة مخيفة -إن أمكن وصفها-  تذكّره بحياته البائسة, فشله المستميت وحلمه الذي لم يستحقه والواقع الذي فرّ منه ومسؤولياته المتراكمة, تذكّره بأصدقائه الذين تركوه خلفهم متناسين وجوده, تقلّب في وحدته محتضنًا هواجسه, وخلد في نوم عميق. 


51213
كطالب جامعي عادي أمضى تفاصيل يومه, وكشخص محب للحياة أمضى يومه يبادر بالسلام, لطالما كان محط انتباه الجميع, تاق له وطمح له الكثيرون, عالمه الوردي لم يخالطه سواد قط, غرق في حياته المسالمة مرددّا لنفسه ذات الكلمات: "هنا لا وجود للحزن, هنا لا يأس ولا مجال للهواجس أن تعتريني ولا لشظايا الأحلام أن تلاحقني, هذا عالمي وهذا أنا." 
كأنما تعويذة يردّدها خلال يومه, وهو بذلك سعيد. -على الأغلب- 


51217
لا يبدو الاستيقاظ عند منتصف اليوم غريبا لدى بومة الليل, لا ينام إلا قليلا ويسدّ جوعه بالوجبات السريعة مستمدًا منها طاقته لإكمال عمله، مستمدًا بذلك قوت يومه, لا يخرج من شقته كثيرًا لأنه حينما يفعل يسمع همس كل من يعيش بجواره عن عاداته السيئة وعن طريقة عيشه المميتة باشمئزاز, يتحدّثون أمامه ولا يبالي, يضع سماعته دون أن يستمع لأي شيء, ويمضي قاصدًا السماء.
وصل للجسر الذي يفصل بين السماء والنهر, وقف على حافته مادًا ببصره نحو الزرقاء, كان يفكر في كم هو مكروه من قبل الجميع إلا من السماء, يفضي إليها بكل هواجسه التي هجمت عليه ليلة أمس وهذا ما ستفعله الليلة وكل ليلة, "شكرا لكِ على الاستماع لي." هو ما يقوله بعد أن ينتهي, كما التائه, أراد من يستمع إليه.


51213
كما بدأ يومه أنهاه بمثالية -في اعتقاده- مشى بمحاذاة النهر إلى أن وصل إلى الجسر, ودّع أصدقاءه وهاهو يقف وحيدًا فوقه, بينما الشمس تغرب وتختفي رويدًا رويدًا يتلاشى من على محياه لون الحياة, مع كل خطوة يخطوها نحو منزله, يلاحقه الخوف وتتربص به الهواجس, أوه, ألم يقل بأنه كان منيعا؟ 
يكسو الظلام كل ما كان مزيفا, وتعتلي معالم الخوف وجهه وتختبئ ابتسامته, اتسعت عيناه, تشهدان تلطخ أجزاء عالمه المبني على الخداع والمظاهر المنمقة, ركنًا بركن. كل زاوية تتحطم تُحطم معه تأثير تعويذته اليومية. 
بعد كل هذا, ألم يستفِق بعد؟


51217
حوالي الخامسة صباحًا, شيء عن الأرصفة الناعسة, والهدوء قبل العاصفة, شيء عن بصيص الآلاف من الأضواء, والطنين الذي يوحي بأن كل شيء يستيقظ في الليل. 
فتح نافذته وحدّق نحو الفضاء العملاق, يحاول تخيّل البعض من آلاف الأشخاص مزدحمين في مكان واحد, حيث هو, جميعهم هنا من أجله.
من أجله.
التخيّل جعله يبصر شيئا..
"هذا يكفي."
لم يخلد للنوم ولم يغلق نافذة غرفته, أنسابت جدائل الشمس الذهبية على قلبه الضبابي, وغسلته.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بأعين نجم

الفصل الثالث - الجزء الثالث

رواية "اركض مع الريح" مترجمة