- سعيٌ نحو مظلة

مرحبًا مجددًا! معكم راوي~
مضى وقت طويل، المعذرة فقد كنت مشغولٌ بالعطلة!
إلا أنني جلبتُ معي قصة هذه المرة... قصة عتيقة:
حُكيَ قديمًا، في زمن تملّكت فيه الأحلام أفئدةٍ, ولّت ظهرها لواقعٍ مريرٍ, فأمست هاجسًا لا يرون غيرها, هائمون مفتونون.
 بُعث طائر العنقاء من نار ضريم، يُقال أن المنية وافته إبان تحقيقه لحُلمه، مات سعيًا وراءه؛ دون الظفر بتحقيقه.
عُرف هذا العنقاء "بالمتشرّد" نتيجة بحثه اللاطائل، عن مبتغاه المنشود، وعدم امتلاكه للهاجس الذي تملّك جميع أقرانه, فأمسى غريبًا..
شقّ رحاله طائرًا, باحثًا عن مستقر، في كل مرة يقف خائر القوى, منهدّ الحيلة، يجد شيئًا جديدًا، ومغامرة شيّقة، تعلّم الكثير والكثير، إلّا أن المتشرّد استمر بالبحث... ليل نهار، دون جدوى...
تعجّب لحاله.... كيف يعقل أن لكل من في الأرض والسماء مبتغىً، عداي؟
كيف أمكنني العيش في الهيام سنين طوالٍ؟
فنظر نظرةً في النجوم, ناجاها.. تأمّلها, وقال.. يا مدبّر الأرض وما عليها وما فوقها, ردّ إليّ ضالّتي, أو حرّرني منها.. فإني أعلم أنّك بي عليم, وأنك ها هنا تسمعني, فإني سقيم.. لا أقوى.
قضى ليله مفكّرًا مناجيًا، وأمسى يحلم بنجمة كانت تلمع فوقه... حاسدًا إياها..
رأى له رؤيا.. رأى نفسه.. بذيله الطويل, يكسوه ريشٌ ذهبيٌ محمرٌ, مغطى بهالة من اللهب، ورأسه الذي لطالما شابه رأس الديك في نظره، لكن بهيبة، وبُنية تعلو عليها سمات الهوان..
رأى حلمًا، ليس واحدًا، بل اثنين!
.. رآه متشبثًا بهما، لكن ما لبثا إلا وانزلقا من على جناحيه, فمدّ جناحه يائسًا وانتحب.
انتصب العنقاء رافعًا جناحيه إلى أعلى, ثم صفِّق بهما تصفيقًا حادًّا, وما هي إلاَّ لمحة حتى التهب الجناحان فبدا وكأنهما مروحة من نار, ومن وسط الرماد الذي تخلّف, خرج طائر جديد فائق الشبه بقديمه, عاد من فوره لمكانه الأصلي في بلد الشرق البعيد.
استيقظ مذعورًا وشمس الكون قد أطلّت، فشعر بدموعٍ باقية على وجنتيه... تساءل بألم .. أهي دموع الحسرة؟ أم دموع الفقدان، أم الخسارة؟لم يدرِ... وآنذاك تذكّر شيئًا قد دُفن في غياهب النسيان، هي الذكرى التي رسخت به حين انبعاثه... انبثقت بقوّة!

"يا صاح، ها أنت بُعثت مرة ثالثة، لا تكرّر أخطاء من سبقوك... لا تمُت متحسرًا، يا صاحبي، لا تهتم لا لمبتغًى ولا لمُستقر، ولا تحلم فالحلم لا يليقُك، فالعنقاء يولَد ليترك موطنه، خُلقت جناحاه واسعان مثل سحابتين سقطتا من السماء، ليسعى نحو قمة تصل للسماء ويجتاز السحب، وفي نهاية دورة حياته, وبينما يحتضر يبني عشًا على نار, حتى يتلفه اللهب, فيولد عنقاء اخر في رماد الأول..فلم نكن إلّا رمزًا للموت والحياة, والخلود.
 لكن الكثيرون شقّوا رحالهم ، ليتردّدوا، ليشكّوا في أنفسهم، وليبحثوا ويستمروا بالبحث، لا عن ملجأ ليختبئوا منه أو هاجس يلتهون به، بل عن مظلات يحملونها حين يهطل مطر غزير، هكذا ستتعلم، لا بأس في أن تضِل تارة، فستجد الضياء لا محالة، حتى تدعوك الشمس لتنعم بضوئها، حتمًا تستطيع، تردّد، ابحث، كافح، واستمر بالتقدم، اسعى نحو اللاشيء بل لتعيش، حياة تخلو من الندم، على حلمٍ لم يكن يومًا ملك لك.
عِش حياتك هائمًا، لتموت والنجوم شاهدة على الطريقة التي عشت بها حياتك".
ملأتِ الذكرى عينا العنقاء بالدموع، وبكى كالطفل...
حلّ الضباب فجأة، وتكثفت السحب، ودوّى الرعد، وانهمر المطر بغزارة...
شق المتشرّد رحاله.. باحثًا عن مظلة.
-النهاية-
أشعر أنني رويتُ قصّة مليئة بالتراجيديا, أودّ أن أصبح مظلة لهذا العنقاء اليافع :(
على أية حال, أتساءل ما نوع القصّة القادمة !

شخص يريد أن يصبح مظلّة: راوي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بأعين نجم

الفصل الثالث - الجزء الثالث

رواية "اركض مع الريح" مترجمة