انحلال الهوامش
في البداية، كان يرى نفسه تمارس حياته اليومية ابتداء من استيقاطه على رنّات منبهه إلى تناوله وجباته متململا، والطريق الذي يسير فيه طويلا حتى يصل لمقر دراسته، اختلاطه المتزيف بالناس ببراعة وابتسامته التي يصطنعها لا إراديًا حتى يختلي بنفسه في المكتبة، على الطاولة المقابلة للنافذة التي تسترق جدائل الشمس الذهبية النظر على ما يقرأ، والكتب التي تحيط به من كل الاتجاهات، هذا الركن هو محطة وقوفه، وذلك الكتاب هو السلام الذي وهبه له سعيه اللامرغوب نحو الحياة، السلام الذي يستحقه. بعد ذلك، رأى غيث الأشجار التي كانت تزين أطراف الطريق المقابل له تُقطع وتُهمّش، ثم رأى المارّة يزدرونه بنظرة وما لبثوا أن انزووا، أعقبهم تحلّل الأرض وتفتت السماء، خبوت الشمس والقمر وانطفاء النجوم، ثم انحلال العالم. بقي في الوسط على قارعة الطريق، ينظر إلى ذلك الشخص الذي ظهر بغتة، يخطو نحوه على وتيرة ثابتة.. ذلك الشخص الذي أوهمه بالاختلاف، بالنّدرة، بصداقة تشفي الروح وتحيل ذاته التي لطالما كانت على الهامش غارقًا في مشاعر الخجل، واللّوعة، إلى الوسط، إلى السرّة. نظر إليه بأعين الفضول والتساؤل، بينما سقطت أول دمعة وهو...